الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٨٢ - مباحث الجبر والاختيار
ويتفرّع على ذلك مقام آخر غير ذينك المقامين، وهو: مقام التفصيل، مقام تقديس النفس عن الكيل البخس. وما هو إلّامن سقوطها وتعاستها وتسويلها ودسائسها.
وذاك أنّه إذا جاءت بأقلّ حسنة أو وُفّقت لأدنى مكرمة أخذت في التبجّح وغالت وتعالت في التفوّق والترجّح، وحسبت أنّ ذلك لها وحدها لم يكن لأحد قبلها ولا يكون لمن بعدها، وجرت في ذلك على غلوائها وتكبّرها واستعلائها، وأخذت في الحماس والزهو به فعل المستبدّ بالصنع المتفرّد بالإيجاد!
وهي في أشدّ غشاء من الغفلة عن أنّ لها خالقاً هو الذي يسّر لها ذلك، ومهّد لها السبل إليه والمسالك، وأوجد سلسلة الأسباب الموصلة إليه، ودلّها بلطائف التنبيهات عليه، ذاهلة عن كون ما جاءت به من الفعل الجميل والإحسان القليل قد كان نِتاج ما لا يعدّ ولا يحصى من المعدّات والأسباب طبيعية وصناعية حيوية وجمادية، بحيث لو افتقدت أضعف سبب منها لعجزت وجميع البشر عن تكوينه وإيجاده. فهي في بيداء هذه المجهلة والمتاهة بمكان من التفويض والقدر، وما هو فوقه بكثير.
نعم، وقد تتمادى في الجهل وتمتدّ بالغرور حتّى تعدّ السيّئة حسنة، وترى الهناءة بالهنة، فتستسمن ذا ورم، وتنفخ في غير ضرم.
هذا حالها في محاسنها، أو ما تعدّه منها.
أمّا إذا أصابها القصور وعرفت الجهل من ذاتها والغرور والفتور، أو وقعت- وما أكثر ما تقع- في البطالة والكسل والعي عن السعي والعمل، والأناة عن الجدّ والطلب وتحمّل النَصب والتعب في سبيل الراحة اللازمة وتحصيل السعادة الدائمة، جعلت ذلك كلّه في عهدة القضاء والقدر، وتشبّثت بأذيال الجبر