الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٦٦ - الفلاسفة وهذه المسألة
المخاصمات، وعلى محضر أيّ محكمة- بعد العقل والوجدان- تعرض المخاصمة وتفصل المحاكمة، وعلى ماذا يعوّل العلم والأعلام ويبتني سند الحكماء والأحكام؟!
يقولون: (لا معوّل للعلم إلّاعلى ما يحسّ بإحدى الحواسّ الخمس)[١].
إذاً فقد جحدوا نفوسهم وأنكروا عقولهم؛ إذ من المتسالم عليه- حتّى عندهم- أنّهم لو وضعوا أعظم تلسكوب أو مكرسكوب وأكبر مجهر من النظّارات، ونظروا إلى كلّ خليّة من خلايا الجسد وكلّ دقيقة من دقائق المادّة، وفصّلوا كلّ جزءٍ من أجزائه عن أخواته، ونفذوا إلى أعمق أغواره وأغور أعماقه
[١] هؤلاء هم أصحاب المذهب الحسّي أو التجربانية(Empiricism ). والمذهب الحسّي يقول بسبق التجربة الحسّية على العقل، ويقصر المعرفة على ما يدرك بالاختبار الحسّي فقط.
ومن ممثّلي هذا الاتّجاه قديماً: لوسيبوس، وديمقراطيس، وأبيقور. ومن المحدثين: فرنسيس بيكون، وجون لوك، وديفيد هيوم، وغيرهم.( موسوعة المورد ٤: ٥٦).
قال بروتاغوراس رأس السوفسطائية:( إنّ الإدراك بالحسّ هو المصدر الوحيد للمعرفة)، ومع ذلك فهذا الإدراك إنّما يعرّفنا ظاهر الشيء فقط لا حقيقة الشيء نفسه. ومن أجل هذا كان كلّ رأي ينشأ عن الإدراك بالحسّ صحيحاً عند المحسّ وحده، بل صحيحاً في لحظة واحدة، وهي اللحظة التي حصل بها الإدراك، أمّا الصحّة العامّة المطلقة فلا وجود لها، وإذا كانت معرفة الإنسان لا منبع لها غير الإدراك بالحسّ وكان شأن الإدراك ما ذكر، كانت معرفة الإنسان غير موثوق بصحّتها.
وقد سلّم أفلاطون بهذا الرأي، وهو أنّ الإدراك بالحسّ إنّما يكون معرفة وقتية، وعنده أنّ هذا الإدراك إنّما يعرّفنا ظواهر الشيء لا حقيقته، ولكنّه لم يقصر الإدراك على الحسّ فقط.
وبينا بروتاغوراس يقول: إنّ معرفة الشيء لا يمكن نوالها، إذا بأفلاطون يقول- وذلك في كتابيه: تيتيونوس ويتمايس- بإمكان المعرفة، وقال: إنّ ما يقرّب إلى المعرفة هو الرأي الصحيح الذي يستطيع الإنسان أن يبرهن عليه. ويعني أفلاطون بالمعرفة: معرفة حقائق الأشياء. فهو في قوله هذا من العقليّين.
راجع: الإسلام يتحدّى ٢٦- ٢٧ و ٤٥، الفكر الإسلامي الحديث ٢٩٧، مبادئ الفلسفة ١٩٣.