الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٠٣ - الخامس في البداء
عن صراحة قوله ملأ كتابه الكريم: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»[١]، «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ»[٢]، وما لا يحصى من نظائر ذلك!
ولكن حسب المنكرون للبداء المألّبون بالشناعة على من يقول به أنّ هذه المزعمة تستلزم الجهل في حقّه (تعالى) وتقضي بمشاركته لخلقه في ظهور الشيء لهم بعد خفائه وبروزه بعد استتاره حيث يتعاور عليهم العلم والجهل ويتمشّى فيهم الحدوث والتجدّد، وتلك خاصّة الممكنات وصفة المحدثات يتقدّس ويتعالى عنها الواجب بالذات.
يا هل ترى أنّ البدائيّين أرادوا- معاذ اللَّه- أن يثبتوا الجهل لحضرته وينسبوا النقص إلى كماله ويبخسوا أقدس صفاته، أم أنّهم جهلوا هذا الاستلزام الجلي ومفسدة التالي ومضلّة هذه الغاية؟
كلّا، فإنّ الأمر أوضح وأجلى.
وسنجهّز لك من البيان ما ستقطع جهيزته قول كلّ خطيب[٣]، وتريك أنّ من لم يعرف البداء ويعترف به فليس له من كامل المعرفة حظّ ولا نصيب، بل تعرف أنّ جميع المسلمين قائلون به على الجملة دون التفصيل، وليس لهم إلى إنكاره ودفعه من سبيل.
[١] سورة الرعد ١٣: ٣٩.
[٢] سورة الأعراف ٧: ٥٤.
[٣] هذا مثل يضرب لمن يقطع على الناس ما هم فيه بقول قاطع يأتي به. وأصله أنّ قوماً اجتمعوا يخطبون فيصلح بين حيّين قتل أحدهما من الآخر قتيلًا ويسألون أن يرضوا بالدية، فبينا هم في ذلك إذ جاءت أمة يقال لها: جهيزة، فقالت: إنّ القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول فقتله، فقالوا عندئذٍ: قطعت جهيزة قول كلّ خطيب.
لاحظ: مجمع الأمثال ٢: ٥٣، معجم الأمثال العربية ١١٣ و ١٣٩.