الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٧ - السانحة الخامسة
والمرسلين على تلك القلاع الخلاء من كلّ منعة الفراغ من كلّ حصانة. قلب القلوب عن وجهتها، وأبرد إلى العقول، فحوّلها عن استقامة فطرها، وأجهز على الديانات وكلّية الإصغاء إلى الطقوس والشرائع، فأزهق روح حياتها وأخمد أضواء مصابيحها، فأصبحت الأُمم تتخبّط خبط عشواء[١] في متايه الزندقة والإلحاد ومنازع إنكار المبدأ والمعاد الماحي لصورة كلّ شرف وحقيقة كلّ أدب وكيان كلّ كمال.
ومن جرّاء ذلك التنازع والتجاذب المتجاوزين حدود الأدب خلعت الناس ربقة كلّ ديانة، وفزعت إلى التشبّث بما تمدّه لهم من أسلاك الهباء أوهام الطبيعة، فلا إسلامية ولا نصرانية ولا جنانية ولا جهنمية.
تألّبت زعانفة من الأُمّة المسيحية وتغالت وتطرّفت في الطعن على شرف الإسلام، حتّى تجاوزت الحدّ، وخرجت عن الآداب، وخدشت العواطف، ومسّت شرف صاحب الرسالة بما لا يليق في حقّ رعاع الناس وسفلة البشر.
نعم، خرجت عن آداب المناظرة إلى التسابب والمعايرة.
على أنّنا جميعاً لو تدرّبنا في المعرفة وتدبّرنا نواميس أدياننا معاً لما وجدناها تخوّلنا شيئاً من ذلك التضارب والتهارش والتسابب والتناهش.
إنّ الدين الإنجيلي الذي يقول: «من ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر، ومن سخّرك فرسخاً فسر معه فرسخين»[٢]، والآيات الذهبية من القرآن المحمّدي الذي يقول: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ
[١] هذا من الأمثال. يقال: أخبط من عشواء، وهي الناقة التي لا تبصر بالليل، فتخبط كلّ شيء تمرّ به. والخبط: أن تطأهُ برجلها فتكسره.( جمهرة الأمثال ١: ٤٤١).
[٢] انظر: إنجيل لوقا ٣٨- ٣٩، بين الإسلام والمسيحية ٢٨٦.