الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧٣ - مباحث الجبر والاختيار
وإنّما الغرض أنّك قد عرفت أنّ الإيجاد والإقدار لا يوجبان الشركة ولا سلب الاختيار.
كيف! ولو كان العبد على حالٍ ليس إلّاأن يفعل أو يترك لم يكن قادراً؛ إذ القدرة ما يمكن معها الفعل والترك، والقادر الموجود هو الذي أعطى القدرة كما أعطى الوجود، فإنّه الجواد المطلق، وهو بكلّ كمال أحقّ، والبخل لا يتطرّق إليه؛ إذ هو نقص، والنقص يستحيل عليه.
وكما أنّ الإقدار لا يوجب الشركة ولا سلب الاختيار، فكذلك نسبة الفعل إلى العبد حقيقة وإسنادها إليه من العقل بالنظر الدقيق واقعاً لا يوجب- والعياذ باللَّه- عزل اللَّه عن ملكه أو تصرّف الغير في سلطانه.
كيف! والعبد وقدرته وجميع شؤونه في قبضته (تعالى)، بل هو وهي عدمٌ إلّا بإيجاده وإمداده، (ولا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه).
وظنّي أنّ العرقلة التي أصابت الباحثين عن هذه المسألة وحجر العثرة الذي عاقهم عن الوصول إلى ملحوب[١] تلك المرحلة حتّى عُرفت بالإعضال واشتهرت بالإشكال هو تلك القاعدة المسلّمة المبرهنة وأمثالها من الكتاب الكريم والسنّة النبويّة، كقوله (تعالى): «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»[٢]، وقوله صلى الله عليه و آله: «كلّ شيء بقضاءٍ وقدر»[٣]، وقوله صلى الله عليه و آله: «جفّ القلم بما
[١] الملحوب: الطريق الواضح.( تاج العروس ٤: ٢٠١).
[٢] سورة النساء ٤: ٧٨.
[٣] لاحظ: الموطّأ ٨٩٩، مسند أحمد ٢: ١١٠، صحيح مسلم ٤: ٢٠٤٥، المعجم الأوسط للطبراني ٧: ٢٩، شرحالسنّة للبغوي ١: ٩٧، تفسير ابن كثير ٧: ٤٤٨، مشكاة المصابيح ١: ٦٧، مجمع الزوائد ٧: ٢٠٨، كنز العمّال ١: ٣٤٠، فتح المالك ٩: ٢٨٤.