الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤١٩ - السادس من الأمور في الأفعال الاختيارية ومباديها ومقدماتها ومزلة أقدام الأعلام في هذا المقام ومسألة الجبر والتفويض
عظمته) وجاءوا شيئاً إدّاً تكاد السماوات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً! فنسبوا إلى خالقهم ما لا ينسبونه إلى أشقى الخلائق، وجاهروا بذلك على رؤوس الأشهاد من غير مواربة[١] ولا حجاب، فقال أحد المشاهير المعروف (بابن غانم المقدسي)[٢] المتوفّى في حدود القرن العاشر:
(إنّ للَّهأمرٌ بالكلام وإرادةٌ للفعل فقط، ثمّ هو قبل أن يخلق الخلق قسّمهم هذا للجنّة والسعادة والعلم الصالح، وذاك للنار والشقاء وعمل الفساد. فإذا وجدوا في هذه الحياة وابتدأ الشقي أن يقتل مثلًا أو يزني أو يسرق، فيأمره اللَّه بالكلام فقط: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، ولكنّه في آن واحد يجرّه بقوّته الخفية إلى أن يقتل أو يزني أو يسرق؛ لعلّة أنّه يستحيل أن يفعل غير ذلك؛ لأنّه مكتوب قبل وجود العالم: شقيٌّ للنار!
والأمر الذي يقوله اللَّه (تعالى) له في الدين: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، ليس إلّاصورة بصفة حجّة ظاهرية فقط لا تأثير منها ولا فائدة في منعه.
حتّى قد يجوز إذا كان قد عمل أعمالًا طيّبة صالحة إلى النهاية وكان مكتوباً من الأشقياء كإبليس، فهي لا تنفعه مطلقاً وكأنّها في هباءٍ، وبالعكس...) إلى آخر ما ذكره.
[١] المواربة: المداهاة والمخاتلة.( لسان العرب ١٥: ٢٦٥).
[٢] نور الدين علي بن محمّد بن علي المعروف بابن غانم المقدسي، من ولد سعد بن عبادة الخزرجي، أحد أكابر الحنفية في عصره، أصله من بيت المقدس، ومولده ونشأته ووفاته بالقاهرة. من كتبه: الرمز في شرح نظم الكنز لابن الفصيح، نور الشمعة في أحكام الجمعة، بغية المرتاد في تصحيح الضاد، حاشية على القاموس. توفّي سنة ١٠٠٤ ه.
( البدر الطالع ١: ٤٩١، الأعلام للزركلي ٥: ١٢).