الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤١٧ - السادس من الأمور في الأفعال الاختيارية ومباديها ومقدماتها ومزلة أقدام الأعلام في هذا المقام ومسألة الجبر والتفويض
أمّا إذا لم نجد الملائمة أو المنافرة في الشيء المدرك ابتداءً استعمل العقل لا محالة قوّة التفكّر والوهم قوّة التخيّل في طلب الترجيح بوجهٍ وهمي أو عقلي، فيتحرّكان حركة اختيارية إرادية في الطلب، فربّما كان ملائماً ببعض الوجوه غير ملائم ببعضها؛ لملائمة بعض الحواسّ دون بعض، أو بعض الأعضاء دون الآخر، أو للحسّ لا للعقل، أو في العاجل دون الآجل، أو العكس، أو بالنظر إلى بعض المصالح دون بعض.
ويحدث بحسب كلّ مصلحة وترجيح داعٍ وبحسب كلّ منافرة صارف، فإن ترجّحت الدواعي حدث العزم الجازم على الفعل فيجب، وإن ترجّحت الصوارف حدث العزم على الترك فيجب كذلك. وكلاهما بالاختيار.
وهناك تتّجه اللائمة أو الثناء والمدح أو المذمّة بحسب حسن الاختيار وقبحه.
وعليه يترتّب الثواب والعقاب، ويظهر الفرق بين المكره والمختار.
وقد لا يظهر وجه الرجحان، فتبقى النفس في الحيرة والترديد.
وقد نظر بعضٌ إلى أنّ وجود بعض تلك المبادي من قوّة الإدراك والعلم والقدرة كنفس وجودنا ليس باختيارنا، وإلّا لتسلسلت القدرة والعلوم والإرادات إلى غير النهاية أو دارت، فطمح بنظره الحديد إلى أبعد أسبابها، فرأى أنّ الوسائط والأسباب القريبة كلّها مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات إلى العلّة الأُولى استناداً واجباً، فقال بالجبر وخلق الأفعال مطلقاً له (تعالى)[١]، ولم يفرّق بين أفعال ذوي الشعور وأفعال الجمادات بغير أنّ اللَّه
[١] تقدّمت المصادر في ص ٣٦٦.