الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٠٦ - الخامس في البداء
لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»[١].
ولئن كان شيء أقرب إلى الحقيقة فهو تلك الأساسيات والرموز التي كشفنا نقابها؛ إذ لا أخالك تفهم من قلم اللَّه (جلّت عظمته) ما يفهمه الجامدون من المعطّلة والمشبّهة، فتحسب أنّ القلم هنا آلةً جمادية من حديد أو قصب، واللوح صفحة ملساء من عاج أو خشب، أو أنّ الكتابة تحريك اليد بتلك الأدوات وتصوير أشكال الحروف والكلمات.
وقد قال بعض الأكابر: (إنّ ذات اللَّه وصفاته كما لا يشبه ذات الخلق وصفاتهم، كذلك لا يشبه قلمه ولوحه وكتابه أقلامهم وألواحهم وكتابتهم)[٢].
على أنّك لو نظرت في مدلولات هذه الألفاظ وجرّدتها عن الزوائد غير الداخلة في أصل مفهومها وروح معناها وجدت أنّ هذه الخصوصيات- ككونها قصباً أو خشباً أو مداداً- خارجة عن أصل ماهيتها وجوهر حقيقتها.
وما الكتابة سوى: تصوير الحقائق على أيّة صورت كانت، ولا اللوح سوى: الجوهر القابل لذلك التصوير، سواء كان جسماً محسوساً أو غير محسوس.
وإذا تدبّرت ذلك فحمل هذه الأُمور على ما يناسب الإلهية أولى من حملها على ما يناسب الخلق.
ثمّ إنّ قلوب الملائكة العمّالة ونفوس المدبّرات العلوية المشار إليها بقوله
[١] سورة الكهف ١٨: ١٠٩.
[٢] القائل هو صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية ٦: ٢٩٨.