الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٦٤ - الاستدلال على التوحيد من نفس الوجود
لا أعني بقولي: إنّه موجود بنفسه أنّ ذاته علّة لوجوده، فإنّه واضح الاستحالة، بل المراد: أنّه قائم بنفسه غني عن غيره، فوجوده وغناه عين ذاته، لا شيء لاحق به عارض عليه.
ولباب المراد واضح جلي لذوي الألباب وإن كانت العبارة لعلّها قاصرة عن بيانه منحطّة عن رفيع شأنه، ولكنّها غاية ما يمكن في الأداء، والمقصود- بعد التأمّل- في غاية الوضوح والجلاء.
واستبن ذلك من النظر في الوجودات الإمكانية، فإنّك لا ترى منها موجوداً خالياً من نقص وحاجة وفقر وفاقة بحيث لم يطر عليه العدم خارجاً ولا صحّ عروضه له ذهناً، وما هو إلّامن كون وجودها عرضياً لذاتها، وكلّ ما بالعرض لابدّ وأن ينتهي إلى ما بالذات.
وسند ذلك أنّه لا ينقطع صحّة السؤال من العقل حتّى ينتهي إلى الذاتي، فيتّضح الحال وينقطع السؤال.
ألا ترى أنّ بياض الأجسام بعروض البياض لها، والبياض بذاته أبيض، وإذا كان عروض البياض لغيره به فثبوته لنفسه أولى.
وقد حكمت بداهة العقول- كما سبق[١]- من أنّ معطي الشيء لا يكون فاقداً له، فإذاً لابدّ أن تنتهي هذه الوجودات العرضية الإمكانية إلى وجود ذاتي وجوده بنفسه، وهو الذي نسمّيه: بواجب الوجود تسميةً مطابقةً لنفس الأمر وحاقّ الواقع.
وهذا هو القسم الأوّل من الوجود الذي لا مدخل فيه للعدم والنقص والفقد
[١] سبق في ص ٤٨ و ١٩٧ و ١٩٨.