الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٤ - قبس من سيرته
الآية على عقدين: عقد سلب، وعقد إيجاب.
أمّا عقد السلب «وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ»، فهو من الأساليب القرآنية التي اخترعها وارتجلها في الاستعمالات العربية، ولم تكن معروفة من ذي قبل، وقد تكرّرت هذه الجملة في الكتاب الكريم.
وهي تارةً تتعلّق بالأفعال، مثل قوله (تعالى): «وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ»[١]، وقوله: «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا»[٢]، وقوله: «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى»[٣]، ويكون المراد منها حينئذٍ على سبيل الاستعارة بالكناية: المبالغة في التحذير عن ارتكاب ذلك الفعل، الزنى والصلاة مع السكر، أو غير ذلك .. وشبّه اسم المعنى باسم العين، فحذّر من قربه، فكيف بملاصقته أو الدخول فيه؟!
وأُخرى تتعلّق بالأعيان، مثل قوله: «وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ»[٤]، وقوله:
«إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ»[٥]، ومن هذا القبيل آية العنوان التي هي من براعة الصنعة وإبداع البيان بمكان، وحيث إنّ النهي لا يتعلّق بالأعيان رأساً، بل لا بدّ من توسيط فعل مقدّر في البين يناسب تلك العين، فإذا قيل: حرّمت أُمّهاتكم عليكم، يعني: العقد عليهنّ، وإذا قيل: حرّمت الخمر، يعني: شربها، وإذا قيل: حرّم الميسر والقمار، يعني: اللعب بهما، وهكذا يقدّر في
[١] سورة الأنعام ٦: ١٥١.
[٢] سورة الإسراء ١٧: ٣٢.
[٣] سورة النساء ٤: ٤٣.
[٤] سورة البقرة ٢: ٣٥، سورة الأعراف ٧: ١٩.
[٥] سورة التوبة ٩: ٢٨.