الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٧٠ - عود إلى تتمة مباحث الحسن والقبح
أترى لو أنّ رجلًا عذّب بعض دوابّه أو عبيده بأنواع العذاب من التنكيل والتمثيل وباءت منه بالعيش الوبيل[١]، مع طاعتها له وانقيادها إليه، وكان الرجل بين أُمّة وحشية وجماعة جاهلية لا تميل إلى ملّة ولا تنحو لنحلة، أكانت تبسط له العذر في ذلك وتقول: لا يملك اللوم عليه أحد، فإنّه مالك؟!
أنت واختيارك، فالحكم إنصافك واعتبارك.
وبعد أن ثبت إدراك العقل للحسن والقبح، فكلّ ما يدرك العقل قبحه لا محالة يستحيل عليه (تعالى)، فثبت كونه عادلًا؛ إذ لا نعني من العدل فيه (جلّت آلاؤه) إلّا: كون ما يصدر عنه من الأفعال غير منافر للعقل ولا يعدّه قبيحاً.
غاية ما هناك أنّ العقل لقصوره وضعفه يعجز عن إدراك مصالح أفعاله (تعالى)، لا أنّه يقبّحها ويجدها منافرةً له.
والحقّ المحض وزبدة المخض: أنّ كون الظلم قبيحاً وكون القبيح محالًا عليه (تعالى) أمرٌ ضروريٌ، مع ما عرفت من إقامة البرهان عليه.
على أنّي لا أظنّك ترضى أن تنسب لربّك ما لا ترضى به لنفسك إن كنت من أهل التكرّم والكمال وسداد الأفعال والأقوال، فأدنى من له مسكة- ولو قاصرة- يجزم في شعوره ببطلان مقالة الأشاعرة.
ومن ذلك كلّه ظهر جليّاً أنّ الشريعة المقدّسة الإسلامية تقول: إنّه (جلّ شأنه وعزّ سلطانه) لا يحيف في قضائه ولا يجور في بلائه، ولابدّ أن يثيب المطيعين وينتقم بقدر الذنب من العاصين، ويكلّف الخلق بمقدورهم ويعاقبهم على تقصيرهم دون قصورهم، ولا يكافي المطيع بالعقاب والعاصي بالثواب، ولا
[١] الوَبَلَة: الثِقل والوَخَامة، والوبيل: الوخيم.( صحاح اللغة ٥: ١٨٣٩).