الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧٠ - مباحث الجبر والاختيار
على الحالين مختار في الأمرين، وإنّما الدواعي ترجّح له أحدهما الأسهل أو الأثقل.
مثال ذلك: اللصّ وسرقته بالليل، فإنّ النوم على الفراش الوطية على كلّ حال أسهل من الذهاب في ظُلم الليالي إلى المواضع الشاقّة ونقب الدور والجدران وتسوّر الحيطان والتعرّض للمهالك، ولكنّ الحرص والرغبة وشدّة الحاجة وشهوات النفوس وترك النظر في العواقب والغرور بالأماني ووساوس الشيطان وما أشبه ذلك من الأسباب يدعوهم إلى فعل ما هو أصعب وعمل ما هو أشقّ واختيار ما هو أشقى وترك ما هو أسهل وأبقى.
فهذه الدواعي هي أسباب اختيار العبد لأحد الأمرين من الفعل أو الترك وترجيح هذا على ذاك.
وليس القصد من إثبات الاختيار كون الفعل يقع جزافاً وبلا سبب وعلّة وبغير جهة، بل المراد: أنّ الفعل بعد أن كان ممكناً في ذاته من ذلك الفاعل جائزاً وقوعه منه وعدمه، فالجزء الأخير من العلّة التامّة لوقوعه المرجّحة له على تركه وعدمه- بعد تساوي الطرفين في حقّه- هو إرادته الحاتمة الجازمة المنبعثة عن تلك الدواعي الحسنة أو القبيحة المصادفة تلك الإرادة لباقي الأسباب والمعدّات التي يتوقّف عليها حصول الفعل ووجوده منه في الخارج، وبهذا الميل والإرادة- بعد الالتفات الى الدواعي المتقابلة والجهات المتزاحمة وتبيّنها له القاطع لسبيل حجّته وميله إلى أحد الطرفين- صار العبد مختاراً، وسمّينا تلك الحالة والصفة اختياراً.
ومخالفنا إن وافقنا على هذا المعنى فيا حبّذا الوفاق! ثمّ فليسمّها بما شاء كسباً أو غيره، وإن أنكر ذلك من استناد الفعل إلى تلك الإرادة فقد أنكر عرفانه