الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧٥ - مباحث الجبر والاختيار
نحرير، بل هو ممّا أفاضه المولى (جلّ شأنه) علينا من التدبّر في شرائع الكون ونواميس الخلق وتقديس الخالق عن الظلم والعبث مع بقاء تصرّفه في ملكه وتوحيده في سلطانه.
بيد أنّ ذلك ممّا كشفه التأمّل في حلّ الرموز وفتح الكنوز التي أشارت إليها وسائط الفيض ومعادن الحقائق (سلام اللَّه عليهم)، ولا سيّما من تفاريق كلمات سيّد العارفين وإمام الموحّدين من قوله عليه السلام لمن سأله: أكان مسيرنا هذا إلى الشام بقضاءٍ وقدر؟ فقال: «ويحك! أظننت قضاءً لازماً وقدراً حاتماً؟! ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد...»[١]، إلى آخر تلك الفقر التي يفتقر إليها العارفون ويستنير بها السالكون، إلى كثير من أخواتها في (النهج) وغيره.
وأنت خبير أنّه إنّما لا يكون الفعل قضاء حتم وإلزام؛ لأنّ القدرة والاختيار قد توسّطا بين الفعل وفاعله في جميع الآثار.
وهذا هو الوجه الخالص من شوائب الجبر وماجرياته وتفاهة التفويض وشبهاته.
فاخمد ضرام أوهامك أيّها الجبري! فالفعل ثابتٌ لك بإرادتك واختيارك وقدرتك عليه ومباشرتك له وقيامه بك أو صدوره عنك.
وسكّن جأشك أيّها القدري! فإنّ الفعل مسلوب عنك من حيث أنت أنت ومع قطع النظر عن فيض علّتك: «فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»[٢].
فهذا هو الصراط المستقيم والحدّ الوسط الذي طلبه الباحثون فما أصابوه،
[١] نهج البلاغة ٤٨١. وورد:( لعلّك ظننت) بدل:( أظننت)، ووردت زيادة:( ذلك) بعد:( كان).
[٢] سورة يونس ١٠: ٨٩.