الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٧٩ - الكلام في صفات الواجب الثبوتية والسلبية
يقول سيّد أولياء اللَّه علي عليه السلام: «هذا، وقد آخى بينهما رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فما ظنّك بغيره؟!»[١].
[١] انظر: بصائر الدرجات ٢٥، الكافي ١: ٤٠١، الاختصاص ١٢، رجال الكشّي ١: ٧٠.
وروي هذا الحديث عن السجّاد عليه السلام في المصدر الثاني، وعن علي عليه السلام في المصدر الأخير، بأدنى تفاوت. ولا بأس في المقام من نقل كلام المحدّث النوري قدس سره، حيث قال ناقلًا في بداية كلامه تعليق الحافظ البرسي:(... لأنّ صدر أبي ذرٍّ ليس بوعاء لما في صدر سلمان من أسرار الإيمان وحقائق ولي الرحمان... وذلك لأنّ مراتب الإيمان عشرة، فصاحب الأُولى لا يطّلع على الثانية، وكذا كلّ مقام منها لا ينال ما فوقه ولا يزدري من تحته؛ لأنّ من فوق درجته أعلى منه ... وإنّما قال:« لقتله»؛ لأنّ أبا ذرٍّ كان ناقلًا للأثر الظاهر، وسلمان كان عارفاً بالسرّ الباطن، ووعاء الظاهر لا يطيق حمل الباطن... فظهر أنّ أباذرٍّ لو اطّلع على ما في قلب سلمان لقتله؛ لزعمه أنّ تلك المرتبة من المعرفة كفر وإرتداد، وكذا بالعكس صاعداً ونازلًا.
واحتمل ذو الفيض القدسي مولانا المجلسي في شرح الكافي والبصائر أن يكون المقصود: أنّه لو اطّلع على ما في قلب سلمان كان يفشيه ويظهره للناس، فيصير سبباً لقتل سلمان.
وفيه: أنّه لا يتأتّى في غيره من الأخبار من أنّه لو اطّلع لكفّر، أو أنّ سلمان لو عرض عليه علم المقداد لكفّر مع أنّ السبب في قتله الناس موجود فيه، وإن كان هو أقرب إلى سلمان منهم علماً ومقاماً غير أنّه ما لم يصل إليه كان كغيره.
ومن عجيب ما اطّلعنا عليه من شرح هذا الحديث كلام السيّد المرتضى رحمه الله في بعض فوائده، حيث سئل عن هذا الخبر، فقال: الجواب- وباللَّه التوفيق-: أنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملًا ولا تثلج صدراً وكان له ظاهر ينافي المقطوع والمعلوم، تأوّلنا ظاهره على ما يطابق الحقّ ويوافقه إن كان ذلك مستسهلًا، وإلّا فالواجب اطّراحه وإبطاله، وإذا كان المعلوم الذي لا يحيل سلامة سريرة كلّ واحد من سلمان وأبي ذرٍّ ونقاء صدر كلّ واحد منهما لصاحبه وأنّهما ما كانا من المدغلين في الدين ولا المنافقين، فلا يجوز- مع هذا المعلوم- أن يعتقد أنّ الرسول يشهد بأنّ كلّ واحد منهما لو اطّلع على ما في قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه. ومن أجود ما قيل في تأويله: أنّ الهاء في« قتله» راجعة إلى المطّلع، لا إلى المطّلع عليه. كأنّه أراد: أنّه إذا اطّلع على ما في قلبه وعلم موافقه باطنه لظاهره وشدّة إخلاصه له اشتدّ ضنّه به ومحبّته له وتمسّكه بمودّته ونصرته، فقتله ذلك الضنّ أو الودّ، بمعنى: أنّه كاد يقتله، كما يقولون: فلان يهوى غيره وتشتدّ محبّته له حتّى أنّه قد قتله حبّه، أو أتلف نفسه، أو ما جرى مجرى هذا من الألفاظ، وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء على الرجلين، وأنّه آخى بينهما، وباطنهما كظاهرهما، وسرّهما في النقاء والصفاء كعلانيتهما...
[ وفيه]: أوّلًا: فنمنع كونه من الأخبار الآحاد. كيف! وقد دلّت على هذا المضمون سبعة أحاديث... مع أنّ الظاهر أنّه يريد من الآحاد غير ما اصطلحه أصحاب الدراية، كما استظهره بعض المحقّقين. فلا يشمل مثل هذا الخبر ممّا ورد مسنداً برجال موثوق بها في الكتب المعتبرة المعوّل عليها.
وأمّا ثانياً: فلأنّ هذا التفاوت بينهما بعد حصول الجامع بينهما لهما، وهو الإيمان باللَّه ورسوله وخلفائه بأدنى ما يتمايز به عن المخالف، وإنّما هذا الاختلاف في خصوصيات الأفراد المختلفة بالشدّة والضعف والنقصان والكمال والإيمان، لا أنّ الداني فاقد للإيمان داخل في زمرة المنافقين. والسبب في التكفير أو القتل لا يلزم أن يكون شيئاً ينافي الإيمان بحسب الواقع، بل بعدما عرفت أنّ له مراتب كان السبب عنده لهما هو المنافاة والتخالف بين المقامين وعدم تحمّل القاصر الداني وعدم إدراك عقله ما تحمّله العالي منه بدرجة وما فوقها، أو لإدراك العالي قصوره ومباينته...
وأمّا ثالثاً: فلأنّ هذا التوجيه لا ربط له بصدر الحديث من ذكر التقية وتفريع ذلك على تشديد الأمر فيها بالإشارة مع ما بينهما من المؤاخاة والمصاحبة...
وأمّا رابعاً: فلأنّ هذا التأويل يأباه صريحاً قول علي عليه السلام لأبي ذرٍّ- كما يأتي-:« لو حدّثك سلمان بما يعلم لقلت: رحم اللَّه قاتل سلمان»، وكذا قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم:« لو عرض علمك على مقداد لكفر».
ومن جميع ذلك ظهر ما في كلام الفاضل الطبرسي في شرح الكافي، حيث قال: المراد بما في قلب سلمان العلوم والأسرار، ومنشأ القتل هو الحسد والعناد. وفيه مبالغة على التقية من الأخوان فضلًا عن أهل الظلم والعدوان.
وجه الضعف: ما عرفت من عدم تماميته فيما دلّ على العكس، وأنّ السبب عدم التحمّل لا التمنّي).( نفس الرحمان ٢٢٥- ٢٢٩).
هذا، ولكن الذي ذكرته بعض المصادر أنّ المؤاخاة كانت بين أبي ذرٍّ والمنذر بن عمرو الخزرجي، وأنّ المؤاخى مع سلمان كان هو الصحابي المعروف بأبي الدرداء.
راجع: السيرة النبويّة لابن هشام ٢: ١١٩- ١٢٠، صفوة الصفوة ١: ٥٣٥- ٥٣٦، أُسد الغابة ٢: ٣٣١، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩: ٢٢٢.
ولكن ما يثبت المتن- أي: المؤاخاة بين سلمان وأبي ذرٍّ- ما هو مذكور في: الكافي ٨: ١٦٢، بحار الأنوار ٢٢: ٣٤٥، نفس الرحمان ٣٧٣- ٣٧٤، وغيرها من المصادر.