الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٦٨ - مباحث الجبر والاختيار
فقد سُئل سيّد العارفين إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام عن القدر، فقال: «طريقٌ مظلم، فلا تسلكوه»، وسُئل ثانياً، فقال: «بحرٌ عميق، فلا تلجّوه»، وسُئل ثالثاً، فقال: «سرُّ اللَّه، فلا تتكلّفوه»[١].
ومثل ذلك عن أئمّة الهدى عليهم السلام كثير[٢].
نعم، وجوهها لا تخفى على الناقد البصير. ونحن- بعون اللَّه- سوف نعطيك صفوة تلك المناهل ولباب تلك المسائل.
ولكن الأولى أوّلًا أن نحيلك على حسّك ووجدانك وبداهتك وفطنتك، ونطوي الدليل والبرهان في طي البيان.
وذاك أنّك تجد في نفسك أنّ كلّ فعل يصدر منك فهو بإرادتك واختيارك وعن ميلك وشهوتك، وأنت قادر على فعله وتركه.
وقد يبدو لك وجه فساده ومقتضيات تركه، ومع ذلك لا ترتدع عنه ترجيحاً لشهوتك وغلبةً لهواك على عقلك، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «كم من عقل أسير تحت هوىً أمير»[٣].
وما تفعل من فعل إلّاوأنت تجد القدرة في نفسك على تركه.
وهل الاختيار إلّاهذا؟! أعني: صدور الفعل عن قدرة وعلم وإرادة.
ولا ينافي ذلك كون هذه الأُمور كلّها من اللَّه (جلّ شأنه)، كما أنّ وجودك أيضاً منه، بل جميع شؤونك، ولكنّه جعلها لك على نحوٍ أنت تُصرّفها كيف تشاء وتَصرِفها فيما تشاء تصرّف المالك في مملكته وذي السلطان في سلطنته.
[١] نهج البلاغة ٥٢٦.
[٢] لاحظ: الكافي ١: ١٥٥ وما بعدها، التوحيد للصدوق ٣٦٤ وما بعدها.
[٣] نهج البلاغة ٥٠٦.