الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٥١ - مباحث الحسن والقبح العقليين
نافعاً وما هو موجب لنقصانها مكمّلًا، ألا ذاك من كثرة آفاتها وغلبة شهواتها..
ألا ذاك من انحرافها عن الاعتدال الطبيعي والصراط المستقيم المنصوب بين عينيها، وميلها عن الاستقامة الفطرية التي فطرها المبدع عليها ..
ألا ذاك من سوء اختيارها، وسيّء اعتبارها، وخسّة مقدارها، وضعة همّتها، وضعف تربيتها!
فوجب- نظراً إلى ذلك كلّه- أن يجعل لها ذلك المدبّر الذي أنشأها للصلاح لا للفساد، وللأُلفة من مباديها لا للحياد، وللرحمة لا للغضب، وللنجاة لا للعطب، وللرقي لا للانحطاط، وللصحّة لا للأغلاط، مسدّداً عاصماً، وملكاً حاكماً، وميزاناً عدلًا، وحَكَماً فصلًا، وقيداً لها عن السوء وعقالًا، ومرشداً لها هداية وضلالًا، فوهبها ذلك الصانع المقدّر والحكيم المدبّر تلك القوّة الكاملة التي نسمّيها: بالعاقلة، ذات الآراء الفاضلة، فإنّها هي التي تميّز للنفس بين النافع والضارّ، والمصلح والمفسد، والمضلّ والمرشد، والداء والدواء، والمرض والشفاء، والسعادة والشقاء.
لا أُريد بالنافع والضارّ ما يرجع إلى المآكل والمشارب من البارد أو الحارّ، أو العقاقير والأدوية، أو الاستلذاذ بالروائح الطيّبة واستكراه المؤذية، والأُنس والطرب بترجيع النغمات، والوحشة والتنفّر من أنكر الأصوات، فإنّ جميع ذلك قد تكفّلت به الحواسّ وتساوت به مع الحيوان عامّة الناس، وما هو بالذي به التفاوت والتفاضل والتعالي والتسافل والتأخّر والتقدّم والخسة والتكرّم، بل أقصد وأُريد ما به الفضل والمزيد بين عامّة أفراد الإنسان، وبه الامتياز بين نوعه وسائر أنواع الحيوان الذي اختصّ به البشر وانفرد واستأثر واستبدّ، ولم يترك منه لأنواع جنسه حظّاً لا معنى ولا لفظاً، تدبيرَ حكيم وتقديرَ عزيز عليم، غير جائرٍ