الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٥٣ - مباحث الحسن والقبح العقليين
لكن هل سمعت أو رأيت أنّ فرداً منه أو من غيره من الأنواع قد أحدث في ذلك الشكل صفة أُخرى، أو وضعاً وجد أنّه أليق به من الوضع القديم وأحرى؟!
وهذا الإنسان- كما تراه- لا يبرح كادحاً طول عمره في السعي لإصلاح أمره. كلّ ذلك طلباً للكمال والسعادة والسعة والزيادة.
نعم، بعضٌ سعى لسعادة حاله الحاضرة وأعرض عن تحصيل سعادة داره الآخرة التي هي دار قراره ومقام بقائه ومنزل خلوده في نعيمه أو شقائه.
وبعضٌ- وإليك اللهمّ نرغب في ذلك- قد أخذ من كلا الدارين حظّه وأجزل من كلتا السعادتين نصيبه، أُولئك عباد اللَّه وصفوته، وقليلٌ ما هم!
وصفوة القول: إنّا وجدنا حياة الوحش والطير والبهائم، وهي في طمأنينة وهدوٍّ وسكون دائم، وكأنّها في فراغ، إلّامن أن تتسافح وتتناكح، وتأكل وتشرب، وتلهو وتلعب.
أمّا الإنسان ففي جولان وحركة دائبة، ومساعٍ واصبة، وأعمال ناصبة.
فلو تأمّلت في طول حياته حالته وجدته كهائم في الأرض يطلب ضالّته، أو كصادٍ[١] يجول على الماء في القفار ليطفي حرّ الأُوار[٢].
تجد ذاك غريزة منه وطبعاً، يكدح في السعي ولا يدري لأيّ شيء يسعى؟!
أنا أُنبّئك بالخبر اليقين واكشف لك عن السرّ المبين: إنّما يسعى طلباً لسعادته وكماله، ورفع ما يجده من نقصه وسوء حاله، و «كلٌّ ميسّرٌ لما
[١] الصدى: العطش.( صحاح اللغة ٦: ٢٣٩٩).
[٢] الأُوار: حرارة العطش.( المصدر السابق ٢: ٥٨٣).