الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٥٠ - مباحث الحسن والقبح العقليين
لكلّ قوّة من القوى وحاسّة من الحواسّ ملائماً ومنافراً، باطناً أو ظاهراً، فعلًا من الأفعال أو عيناً من الأعيان، جوهراً أو عرضاً، مقدّمةً أو غرضاً.
وكلّ ذلك عائد إلى ملائمة ذات النفس ومنافرتها؛ لما عرفت من أنّ الحواسّ والقوى مجارٍ وآلات لها وطرق إليها، بل هي هي وأفعالها متعاكسة منها وإليها.
إلّاأنّ الحكيم الخبير جعل النفس الإنسانية ناقصة بحسب الفطرة، مستعدّة للكمال في سعيها بحسب القوّة والقدرة، سارية في صراط الحركة إمّا إلى الرقي أو الانحطاط على التوسّط أو الإفراط.
فمن ثمّة ألهمها فجورها وتقواها؛ ليفلح من زكّاها ويشقى من دسّاها.
فحقيقة تلك الملائمات والمنافرات الراجعة إلى النفس إنّما هي كمالها أو فقدانها وتمامها أو نقصانها، والشيء لا يطلب ولا يسعى إلّالكماله وتمامه، ولا يهرب إلّامن نقصه وإعدامه، فميل القوى إلى تلك الملائمات إنّما هو لكونها سعة للنفس وكمالات.
ألا تراك كيف تحبّ الثروة في الجاه والمال والأولاد، وما الثروة- كما علمت في اللغة[١] والاستعمال- إلّاالزيادة والتوسعة.
فإذا كانت النفس لتوسعتها في علائقها الخارجية بهذا المقام من المحبّة، فهي لتوسعتها في ذاتها أحبّ وإليها أرغب.
وهذا ما وعدناك به من بيان وجه الملائمة والمنافرة.
نعم، حيث إنّ النفس- بحسب فطرتها- قاصرة، قد تحسب ما هو مضرٌّ لها
[١] لاحظ العين للفراهيدي ٨: ٢٣٢.