الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٤٨ - مباحث الحسن والقبح العقليين
قوّة الإبصار التي أودعتها الحكمة في تلك الجارحة؛ لتقدر على تجريد صور الجسمانيات كي تتّحد مع النفس، فإنّ تلك القوّة شأن من شؤونها، بل كالناحية والطرف منها، ولكن طرفها الأدنى هو ما اتّصل بالأجسام وامتزج بالمادّة، كما أنّ طرفها الأعلى هو ما اتّصل بالمجرّدات الخالصة من شوائبها.
وتلك المرتبة من النفس هي التي نسمّيها: بالعقل.
وظنّي أنّ ما نروم توضيحه من أنّ الإدراك للأشياء في القوى المدركة عبارة عن الحضور، وأنّ الحضور ثمّة لا يعقل إلّابنحوٍ من الاتّحاد بل الوحدة وسعة الوجود، وأنّ ذلك لا يحصل إلّامع المناسبة والسنخية؛ إذ بالضرورة والوجدان يستحيل أن يتّحد المتباينان من حيث هما كذلك.
كلّ هذه الأُمور واضحةٌ لمن تدبّر وتدرّب في فكرته وفتح اللَّه بصر عقله وعين بصيرته.
وإن طلبت في إيضاحه مزيداً وأردت مثالًا يقرّب عليك منه أمداً بعيداً فقس الحال على وجدانك الذي هو فوق سمعك في الإدراك وعيانك، فإنّك تجد في نفسك عند العطش والظمأ نقصاً وانقباضاً وضيقاً وألماً. وكلّ ذلك راجع إلى أمر واحد، وهو الإعواز والفقدان والنقص والحرمان.
ولا يرفع ذلك تصوّرها لمعنى الماء وأنّه رافع للعطش موجب للرواء، ولا حضور الماء البارد بين يديك ومشاهدته بعينيك.
نعم، إذا باشرته بأعضائك، أو أجريته في أمعائك، وأحسّت به نفسك بواسطة تلك الأدوات التي هي أيضاً من قواها ومنها وإليها قوّتها ومجراها، حصلت لك- بتوسّط هذه الآلات- تلك الملابسة ووقع للنفس مع الماء ذلك الاتّحاد والمؤانسة.