الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٤ - في ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي
وأما الثاني: فلأنهم أظهروا ما لا يدرك العقول وجهه أصلا كضرب الدية على العاقلة وأيضا نرى أن أحاديثنا المروية في كتب أصحابنا كافية في بيان جميع الأحكام عموما أو خصوصا إطلاقاً أو تقييداً صريحاً أو التزاماً بحيث لم يبق شيء إلا وقد بين حكمه فيها حتى أرش الخدش الذي ورد أنه مخزون عند أهله ولو فرض خروج شيء فهو نادر ولا يصلح للكتمان والإخزان، ومع ذلك قد صرحت الأحاديث بخلاف ذلك كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) أن أمير المؤمنين (ع) قال: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للأمة جميع ما يحتاج إليه)، وقال: أمير المؤمنين (ع) في حديث آخر (أم أنزل الله دينا ناقصا فقصّر رسول الله عن تبليغه وأدائه) ويؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنة، وعلى هذا فليس معنى هذا العبارة ما فهموه بل غير ذلك.
وتوضيح ذلك أن المعنى المذكور قد روي في الأحاديث بعبارات مختلفة ففي بعضها (أن الأحكام عند أهلها)، وفي بعضها (أنه في إخزان الجامعة وفيها علم الحلال والحرام) وفي ثالث (أن الله سبحانه ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد)، وفي رابع (أن جميع الأحكام في الكتاب وعلم الكتاب عندنا) وليس المراد من شيء منها أنها مخزونة عندهم (ع) وهم لا يظهرونه، بل هذا إنما وقع في مقام الرد على العامة الذين كانوا حيارى يعملون تارة بالقياس وأخرى بالاستحسان وثالثة بالمصالح وغيرها، فلما منعوا (ع) العامة عن الرجوع إلى ذلك ردوا عليهم العامة بأنه لا مفر من ذلك لأن الله عز جاره لم يبين جميع الأحكام.