الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٦٣ - أول الأحكام الثابتة على المكلف
هنا وليس ورودها في مطلق الخبر حتى يندرج المقام تحتها، ولا وجه لتقديم قول المثبت أيضاً تعبداً، والوجوه الماضية لا تصلح لإثبات التعبد في ذلك. نعم لو حصل الظن المتبع ولم نقف على دليل متين يفيد حجية قول أهل اللغة تعبداً، وليس في الباب إلّا إنحصار الطريق مثلًا في كلامهم وقد عرفت أنه ليس كذلك لأن العرف ينقح أغلب الموضوعات بقوة الإمارات وفي مقام الانحصار أيضاً لم يقم دليل قطعي على التعبد بمعنى اللفظ ولو مع هذا الاشتباه حتى يلتجأ إلى كلامهم تعبّداً اضطراراً وإجماع الأصحاب ووفاقهم على العمل بكلامهم خلفاً وسلفاً لم يثبت في غير صورة حصول الظن ونحن نقول بذلك وأخذ القدر المشترك طرح للكلاميين معاً يرده الوجوه الماضية في مسألة التقييد وزيادة فالمعتمد بعد ذلك الرجوع إلى الأصل الحكمي بحسب مقاماته من اشتغال أو براءة بتقريب أن المتيقن من التكليف أو المسقط هذا المعلوم من أهل اللغة وأما المشكوك بالتعارض فلا شيء لنا يثبت الموضوع حتى نقبله، وليس فيه أصل منقح ففي مقام الحكم يرجع إلى الأصل ومن ذلك حكمنا في الغناء باعتبار مد الصوت مع الترجيع والطرب مع إختلاف كلمة اللغويين بإطلاق وتقييد مطلقاً أو من وجه وبالتباين في بعض الفروض فرجعنا في غير الفرد الملخص من كلامهم إلى أصلة البراءة من التحريم لا من قاعدة التقييد والإطلاق إذ قد أبطلناها فيما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا ما اقتضاه الحال في بسط المقال على سبيل التشوش والاستعجال.
أول الأحكام الثابتة على المكلف
اختلفوا في أول ما يجب على المكلف فقال أبو الحسن الأشعري ومعتزلة بغداد هو معرفة الله تعالى لكونها يتفرع عليها وجوب الواجبات، وورد ذلك في كلام أمير المؤمنين ( (ع): (أول الدين معرفته). وقال السيد المرتضى وابن نوبخت ومعتزلة البصرة وأبو إسحاق الاسفرائيني: إن الواجب الأول هو النظر في معرفة الله تعالى، لأنه مقدمة للمعرفة. وقال القاضي وإمام الحرمين هو القصد إلى النظر لتوقف النظر على القصد إليه. وقال أبو هاشم: إن الواجب الأول هو الشك في وجود الله تعالى، ونسب أيضاً إلى إمام الحرمين ولعلهم يريدون بذلك التشكيك، لأن الشك حالة وجدانية غير إختيارية. والحق أنه إن أريد بأول الأحكام على حد تعبير بعضهم أو أول الواجبات كما هو المحرر في كتب العقائد هو أول الواجبات المقصودة بالذات التي وجوبها يكون مطلقاً أعم من الواجبات الشرعية والعقلية. فالمعرفة هي أول الواجبات العقلية التي حكم بها العقل، وإن أريد الأعم من الواجبات الغيرية فالقصد إلى النظر أو التشكيك يكون هو أول الواجبات لكن مبناه على وجوب مقدمة الواجب. ثم أن المراد بالأولية إن كان هو الأولية الذاتية الراجعة إلى التقدم بالذات على سائر الواجبات بحيث يكون وجوب سائر الواجبات بواسطته، فإن ملاك التقدم بالذات في شيء هو اتصافه بذلك الشيء بالذات، والمتأخر عنه متصف بذلك الشيء بواسطته فتكون المعرفة واجبة بالذات، والواجبات الأخرى متصفة بالوجوب بواسطتها وهو غير صحيح لأنه يلزمه إنه لو إنعدمت المعرفة لم يجب شيء من الواجبات ويكون الملحدون غير مكلفين بالفروع لإنعدام المعرفة منهم.