الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢٦ - في ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي
مقتضى الآيات والأخبار أن يحكم الشارع على طبقه كقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] أو من أصالة عدم المانع من حكم الشرع بالوجوب بعد ما أدرك العقل الجهات المحسنة لرد الوديعة. وسيجيء إن شاء الله في مقام نقل الحجة على كلامه ما يوضح مرامه.
الأمر الثالث: أن بعضهم إدعى أن البحث في هذه القاعدة عين البحث عن الحسن والقبح إذ لا يريدون من الحسن إلّا ما يستحق عليه المدح والثواب ممن بيده الأمر- وهو الله تعالى عند المليين والسلطان عند غيرهم- ولا يريدون من القبح إلّا ما يستحق عليه الذم والعقاب ممن بيده الأمر، وهذا هو الحكم الشرعي، فالقول بالحسن والقبح هو نفس القول بهذه القاعدة، ولذا لا تجد لهذه القاعدة في كلام الأقدمين عين ولا أثر، وإنما إكتفوا بتحرير النزاع في أصل ثبوت الحسن والقبح.
والحاصل أنّا لو سلمنا إمكان النزاع في القاعدة المذكورة بعد الإقرار بادراك العقل بالحسن والقبح لكن ندعي إطباق العلماء بعد تسليم إدراك العقل لهما على الملازمة وأن العقل عندهم طريق للشرع.
ولا يخفى ما فيه لأن المسألة عقلية لا نقلية، فهب أن القوم لم يحرروا النزاع في هذا المقام بعد بنائهم على إدراك العقل للحسن والقبح. لكن لما كان للعقل مجال للشك في القاعدة المذكورة صح لنا أن نحرر الكلام فيها ونشرح أن إدراك العقل للحسن والقبح يكفي في ثبوتها أم لا؟ هذا مع أنه من تتبع كلمات المحققين ظهر له أن بعض من قال بادراك العقل للحسن والقبح، وإنه يدرك العقاب والثواب على العمل ممن بيده الأمر يناقش في هذه القاعدة كما هو المحكي عن الزركشي والفاضل والتوني