الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٥٤ - أدلة الخصم
ولا يخفى ما فيه فإن الوعد بالعفو عبارة عن الوعد بعدم العقاب والحق أن الوعد بعدم التعذيب لو كان فيه إغراء لما صح الوعد بالعفو عن الصغائر والعفو عن الكبائر بالتوبة وبالبكاء على الحسين (ع) وبدخول الكعبة ونحو ذلك.
اللهم إلا أن يقال إن العفو لما كان مجملا ويحتمل تخصيصه وغير مبيّن فيحتمل أن يكون له شروط لم يكن فيه صلاحية لأن يحتج به العبد وقول بعضهم بأن أدلة العفو ليس فيها إغراء لأن العالم العارف بها إذا بلغ درجة المعرفة بها لا يغترّ بها. والجاهل لا يعلم بها حتى يغترّ بها. فاسد فإن العلم منها يحصل لأبسط الناس فيقدم العالم بها على ارتكاب القبائح، هذا مضافاً إلى أن الظاهر من قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ] هو نفي استحقاقهم العذاب لا نفي فعلية العذاب وإلّا لقال تعالى ولم نعذب أو ما عذبنا. هذا غاية ما يمكن من الذب عن الاستدلال بهذه الآية والجواب عنه بوجوه:
الوجه الأول: أن المراد منها نفي العذاب أو نفي استحقاقه في العاجل فقط إلّا بعد البعث للرسول وذلك بقرينة تفسير جمع من المفسرين لها بذلك، إذ فسروها بنفي العذاب في العاجل خاصة أعني في دار الدنيا، وبقرينة ما دل على تعذيب الملحدين وعبدة الأوثان مطلقاً قبل بعث الرسول وبعده، وبقرينة جريان عادته تعالى على تعذيب الأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وصالح وفرعون في العاجل، فيكون المراد منها نفي العذاب في العاجل. وعليه فالآية لا تنافي ما ندعيه من حكم العقل باستحقاق العقاب ولو في الآجل أعني في الآخرة كما يرشد