حقيقة الانقلاب بعد وفاة رسول الله( ص) - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٢٧٣ - «محنة أمير المؤمنين عليه السلام التي أهلته للوصاية»
وصفت ذلك لاتسع لي فيه القول و لكن اللّه نهى عن التزكية.
فقالوا: صدقت يا أمير المؤمنين، فواللّه لقد أعطاك اللّه الفضيلة بالقرابة من نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم، و أسعدك بأن جعلك أخاه، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، و فضّلك بالمواقف كلها التي باشرتها، و الأهوال التي ركبتها، و ذخرك الذي ذكرت و اكثر منه مما لم تذكره مما ليس لاحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منا مع نبينا و من شهدك منا بعده، فأخبرنا يا أمير المؤمنين بما امتحنك اللّه به بعد نبينا صلى الله عليه و آله و سلم فاحتملته و صبرت عليه، فانا لو شئنا ان نصف ذلك لك لوصفناه علماً منا به و ظهوراً عليه، إلّا انا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك اللّه به في حياته فأطعته فيه.
قال يا أخا اليهود ان اللّه تبارك و تعالى امتحنني بعد وفاة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية نفسي بمنه و نعمته صبوراً.
أمّا أوّلهنّ:
فانه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به و لا أعتمد عليه و لا أستَنيم اليه و لا أتقرب الى اللّه بطاعته و لا أنهج به في السراء و لا أستريح اليه في الضراء غير رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و هوربّاني صغيراً، و بوّأني كبيراً، و كفاني العيلة، و جبرني من اليتم، و أغناني عن الطلب، و وقاني الكسب، و عال لي النفس و الأهل و الولد، هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني الى معالي الحظوة عند اللّه، فنزل بي بوفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ما لم أكن أظن أن الجبال لو حملت عنوة كانت لتنهض به، فرأيت الناس من أهلي من بين جازع لا يملك جزعه و لا يضبط نفسه، و لا يقوى على حمل فادح ما نزل به قد أذهب الجزع صبره، و أذهل عقله، و حال بينه و بين الفهم و الافهام و القول و الاستماع و سائر الناس من غير بني عبد المطلب بين مُعَزٍّ يأمر بالصبر، و بين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، و حملت نفسي على الصبر بعد وفاته،