سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٨٦ - اختلاف البحث القرآني من حيث الأسلوب بين القدماء والمتأخرين
فمن يدرس تساؤلات سعيد التي كان يطرحها على ابن عباس - والتي حَفِظتها لنا بعض كتب التاريخ والتفسير، - يجد أن هذا المفسر الجليل القدر الذي أوتي موهبة الإدراك الحسي والتي تدفعه إلى البحث عن علل الشرائع والأحكام لكي يقتنع بأن بعضها توقيفي يشترط في صحته الإتيان به على شكل معين في زمن معين في موضوع معين ولا يُتَقَبّلُ إلاّ بالصورة التي نزل بها التشريع؛ والبعض الآخر تُرِكَ للمسلم كيفية ووقت تأديته.
ومثل هذا المفسر المتفحص لا يمكن أن تصدر عنه بعض التأويلات التي تتعارض والمنطق القرآني وهو سعيد بن جبير الذي ما كان يسمح لنفسه أنْ تفوته فرصة سانحة لزيادةٍ من علم ما دامت مواتية لأن يستغلها في كشف غموض أبسط العلل في الشرايع طالما وَجَدَ الثقة الذي امتادَ من بحار الراسخين في العلم عليهم السلام ومَن غَيْرُ ابن عباس التلميذ الذي يُعجبه إلاّ أن يدخل مدينة (العلم صلى الله على صاحبها وعلى بابه علي عليه السلام) ليجد عنده الإجابة المرضية لتساؤله؛ فمثلاً نراه يسأل ابن عباس عن السبب الذي جعلهم يبدأون بالصّفا قبل المروة؟
فيجيبه ابن عباس: (لأنّ الله قال: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ...}([٢٢٤])، فيستنتج منه قاعدة مهمة في علم استنباط الأحكام الشرعية من حيث التقديم والتأخير لحكم شرعي على حكم شرعي آخر مستنداً إلى القرآن في استدلاله.
ومما يُرَسِّخُ من يقيني أكثر فأكثر أنْ يكون بعض الروايات الموضوعة إنما ألصقت بسعيد ولم تصدر عنه؛ لأن من يطّلع على كتب التفسير والتأريخ التي مما ورد في كتب العهدين من قصص تحدثت عن موضوعات عالجها القرآن وحدد معالمها الصحيحة وترك الجانب الذي لا يخدم غرض الهداية الذي من أجله وُجِدَ
[٢٢٤] الدر المنثور للسيوطي: ج١، ص١٦٠.