سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٢٠٩ - قصّة سعيد والراهب واللبوة
منزل مشرك أبداً. قالوا: فإنا لا نَدَعُكَ، فإن السباع تقتلك، قال سعيد: لا ضير إن معي ربي سيصرفها عني ويجعلها حرساً حولي يحرسونني من كل سوء إن شاء الله.
قالوا: فأنت من الأنبياء! قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد الله خاطئ مذنب.
قال الراهب: فليعطني ما أثق به على طمأنينته، فعرضوا على سعيد أن يعطي الراهب ما يريد. قال سعيد: إني أعطي العظيم الذي لا شريك له لا أبرح مكاني حتى أصبح إنْ شاء الله. فرضي الراهب ذلك...)([٦٥٥]).
وأهم ما يُناقش به هذا القسم من الرواية هو ما ورد على لسان الراهب قوله: (فليعطني ما أثق به على طمأنينته؟) تُرى؛ لِمَ يهتم الراهب بأخذ الضمان من سعيد أكثر من اهتمام الحراس بالأمر؟ حتى ليشعر المرء كأن صاحبنا حريص على تنفيذ أمر الحجاج أكثر من الحراس أنفسهم وهم كما تشير الرواية (خاصةِ الحجاج) فهو بهذا السلوك يعطي لنا صورة من هو مَلَكِي أكثر من الملك.
ومن جهة أخرى فإن موقف الحراس وقبولهم بقاء سعيد في الخارج هو الآخر يتناقض مع ما وصفتهم الرواية من اعتماد الحجاج عليهم واختيارهم من خاصته.
إذ كيف يتفق هذا مع السماح لسعيد بالبقاء خارج الدير - وهو الطريد الذي تجشموا العناء من أجل الوصول إليه وعليهم الحرص على حمايته حتى تسليمه إلى الحجاج؛ ومثل هذه المهمة الخطيرة لا تحتمل التهاون والمجازفة بالسجين إرضاءً لمشاعره، كما لا تتلاءم مع ما يبدو في سياق الرواية من اقتناعهم بأقوال سعيد، ومع ما تذكره الرواية - كما سيأتي - في سردها من تجشمهم مشقة السهر
[٦٥٥] حِلية الأولياء لأبي نعيم: ج٤، ص٢٩١-٢٩٢.