سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ١٧٩ - سعيد يصبح إماماً وقاضياً
الإسلامية فيما يشجر بين الناس اعتماداً على عدالة القاضي حيث لا يحق للوالي التدخُّل في شؤون القضاء؛ إلاّ أنّ هذه الحيلة باءت بالفشل لأنها استفزّت الأمويين وحَفّزَت أعوانهم لأن يَضِجّوا مُحْتَجِّينَ على فِعْلَةِ الحجاج وخطورة تسليمه مَنْصِبَ القضاء لغيرهم كون هذا المَنْصِب يُعَدُّ أخطرَ مَنْصِبٍ بعد مَنْصِبِ الوالي.
وهذا التمييز الطبقي يكشفَ لنا خطأ الحكم الذي ذهب إليه بعض الباحثين من أنّ (بعض الموالي كانوا يتسببون أحياناً في خلق روح الكراهية والعداء نحوهم([٥٨٦])، مستشهدين بقصة سعيد بن جبير مع الحجاج، وكيف كان الحجاج يُحْسِنُ مُعاملة ابن جبير ومع ذلك خرج عليه مع ابن الأشعث([٥٨٧])، وسبب الخطأ ليس في إطلاق هذا الحكم العام الذي لا يخو من مصداق بل الخطأ في سوء اختيار الشاهد وسوء الاستدلال والتعليل، ولو اختار الباحث مثلاً من (البرامكة) مع (هارون الرشيد) لَما بَعُدَ عن الصواب؛ أمّا أنّ الظالم إذا ما قَرَّبَ أحَدَ الأتقياء ووضعه في المَنْصِبِ الذي هو أهل له يكون قد أحسن إليه وعليه إذن أن يجاريه ويسكت على ظلمه وأن يكون تبعاً له، فهذا ما لا يرضاه منطق العدل؛ ولقد فات على الباحث إدراك حقيقة تقريب الحجاج بِهِ كسب رضا أهل الكوفة وهم رؤوس أهل العراق.
ولما أدرك الحجاج أنَّ فعلته أثارت فتنةً مزعزعةً لكيانِ حكمه تراجع وأخذ برأي القاضي السابق - شريح القاضي وكان قد طلب من الحجاج إعفاءه؛ فامتنع الحجاج قائلاً: (لا أعفيك أو تبغيني رجلاً). فأشار عليه شريح بأبي بُردة بن أبي
[٥٨٦] الموالي في العصر الأموي لمحمد الطيب النجار: ص١٤٣، طبع القاهرة لسنة ١٣٦٨هـ، ١٩٤٩م.
[٥٨٧] الموالي في العصر الأموي للنجار: ص١٤٣.