سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ١٨٤ - الحجاج ينكث الأمان
على أهل العراق عَزْلَ الحجاج حقناً للدماء وأمرهما أن يُعيدا للعراقيين جرايَةَ العطاء كما يجرى على أهل الشام، واشترط على نفسه بأن يُوَلّي عبد الرحمن أيّ بلد ينزله؛ وإلاّ كان القتال، والحجاج يكون أمير الجماعة([٦٠٣]).
ولما بلغ ذلك عبد الرحمن بن الأشعث أدرك نجاح خطته فخطب في القوم يحثهم على القبول، لأنه أدرك أن الأمويين إنما رضخوا لهم لما هم فيه من عزّة وقوّة وهيبة؛ وقال: (واللهِ لازِلتم عليهم جُرَآءَ وعندهم أعزاء أبداً ما بقيتم إنْ أنتم قبلتم...)([٦٠٤]).
ولكن الثوارَ - وخاصة كتيبة القراء - أصروا على الاستمرار في القتال لإسقاط السلطة الأموية في العراق، بعد أن وجدوا الضعف قَدْ دَبَّ في صفوف جيش الحجاج - مع ما وصلته من الإمدادات الكثيرة -.
ولم يَرَ ابن الأشعث بُدّاً من موافقة الثوار بعد أن تكشف لديه أن كتيبة القرّاء كانت هي القدوة والطليعة التي يسير الثوار بهدي رجالها.
فهؤلاء الأخيار الأتقياء أمثال (سعيد بن جبير وابو البحتري الطائي وعبد الرحمن بن أبي ليلى...)([٦٠٥]) لم يكن إسهامهم في الثورة طمعاً في المنصب أو لمُساواتهم في ا(الجِرايَةِ) مع أهل الشام، بل حضروا القتال للجهاد وطلباً للآخرة؛ وهذا الموقف من قِبَل هؤلاء القراء ثبت وتأكد من خلال جَرَيانِ أحداثِ المعركة؛ فلقد كانت كتيبة القراء تحارب بروح معنوية عالية، كان لها أثر كبير في رجحان كفة الثوار مما حفّز الحجاج لأن يعبئ ثلاث كتائب وبعث عليها (الجراح بن عبد الله
[٦٠٣] الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج٤، ص٨٠.
[٦٠٤] المصدر السابق نفسه.
[٦٠٥] الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج٤، ص٨٢.