سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٢٣٣ - الحجاج بعد مقتل سعيد
وقال أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ): (قَتَلَ الحجاج سعيداً وما على وجه الأرض أحدٌ إلاّ وهو مفتقر إلى علمه)([٧١٦]).
وخُتِمَ ضحايا الحجاج بسعيد بن جبير؛ ذلك العالم الجهبذ والفقيه النّحرير الذي ألَهَ الإلهَ حق ألوهيتهِ منذ وجبت عليه الصلاة وحتى آخر صلاة صلاّها وهو يرجع إلى ربه مقطوع الرأس مضرجاً بنجيع الوتين المذبوح الذي ملأ النطع دماً عبيطاً لأنه مات غير خائف وذهب ضحية حقد جلاد خلدته دماءُ ضحاياه ولم تخلده حسناته.
والحجاج الذي كان مرتزقاً مغموراً في جند عبد الملك بن مروان أيام كان نجم سعيد بن جبير يسطع في سماء العلوم الدينية؛ ما اشتهر ولا تخلد إلا يوم قدم نفسه إلى عبد الملك أنه هو ضالته المنشودة في القضاء على (عبد الله بن الزبير) وإن لجأ إلى (الكعبة) - فما الكعبة في نظر رجل نكرة محروم من العز والجاه إن كان حَرْقُها على من فيها يحقق له الحضرة عند سلاطين الدنيا، وقد تحقق له ذلك فَنَحَلَهُ ولايةَ العراق لينتقم به من قوم ما منحوا الولاء للشجرة الملعونة من يوم عرفوا أنها ستنزو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده؛ ولما صار الحجاج والياً لبني أمية صار يصرح بدخيلة نفسه مطمئناً إلى رضا السلطان عنه كل الاطمئنان لأنه كان يعلم أنّ هذا يرضيهم: (رأى الحجاجُ الناسَ يوماً يطوفون بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنبره، فقال: إنما يطوفون بأعواد ورمة)([٧١٧]).
وقد حَزّ قَتْلُ الحجاجِ لسعيد بن جبير في نفس عمر بن عبد العزيز حيث كان يدعو أن يكون موت الحجاج على فراشه ليكون أشد لعذابه في الآخرة. ولما مات الحجاج كما تمنّى عمر بن عبد العزيز خرّ عمر ساجداً يشكر الله([٧١٨]).
[٧١٦] رجال الطوسي: ص٩٠-٩١؛ إيمان أبي طالب للحائري: ص٣٢١؛ مرآة الجنان لليافعي: ج١، ص١٩٧؛ سفينة البحار للشيخ عباس القمي: ج١، ص٦٢٢؛ العقد الفريد لابن عبد ربه: ج٣، ص٢٠٥.
[٧١٧] العقد الفريد لابن عبد ربه: ج٣، ص٢٠٥.
[٧١٨] العقد الفريد: ج٣، ص٢٥٧.