سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ١٠٨ - منزلة سعيد بين القرّاء
القراءات المختلفة التي ساعدت النحاة على حل مشكلات لغوية ما كان لهم طَوْلٌ على تعليلها لولا معرفة نوع القراءة التي وردت فيها؛ فمثلاً يقول الشلوبين - وهو نحوي مشهور -: وأما زيادة (لا) في قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ...}([٣٠١])، فشيء متفق عليه وقد نص عليه (سيبويه) ولا يمكن أن تحمل الآية إلاّ على زيادة (لا) فيها، لأن ما قبله من الكلام وما بعده يقتضيه ثم يستدل عليه بقراءة ابن عباس وعاصم والحميدي: (ليعلم أهل الكتاب)([٣٠٢])، ثم يقرنها بقراءة ابن مسعود وسعيد بن جبير (لكي يعلم)، ويقول: وهاتان القراءَتان تفسير لزيادتها وسبب النزول يدل على ذلك أيضاً، وهو أن المشركين كانوا يقولون: إن الأنبياء مِنّا، وكفروا مع ذلك بهم فأنزل الله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ...})([٣٠٣]).
هذه القراءات هي التي كان يسميها بعض علماء اللغة بـ(القراءات الشاذة) قياساً على اعتبار أنّ القراءة في مصحف عثمان - وهو الذي بين أيدينا الآن نقرأه مُعْجَماً ومُشَكّلاً - هي القاعدة الأساس في القراءة.
وكل قراءة فيها زيادة أو نقيصه أو تقديم أو تأخير أو اختلاف في الهيئة دون المادة أو في المادة والهيئة أو في المادة دون الهيئة أو في هيئة الجملة في الإعراب أو في اللهجة - كتغيير نوع الحرف - تُعتبر جميعاً في عرفهم قراءات شاذة أما التصرف في القراءة (مدّاً أو إمالة أو وقفاً أو ترجيعاً) فهو وإن اعتبروه من القراءات إلاّ أنه لم يدخل عندهم في باب القراءات الشاذة، ويدل على ذلك ما
[٣٠١] سورة الحديد، الآية: ٢٩.
[٣٠٢] البرهان في علوم القرآن للزركشي: ج٣، ص٧٩.
[٣٠٣] البرهان في علوم القرآن للزركشي: ج٣، ص٧٩.