سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٢٠٨ - قصّة سعيد والراهب واللبوة
هذه وقائع حفظها لنا التاريخ بأمانة وهي بمجملها تتعارض مع ما ورد في صدر الرواية - كما أنها رواية آحاد - من (أنّ رسلَ الحجاج وجدوا راهباً في صومعة فسألوه عن سعيد، وطلب الراهب منهم أن يصفوه ليدلهم عليه، ثم انطلقوا فوجدوه).
هذا مع أنّ الرواية نفسها لم تسلم من التناقض؛ إذ كيف تسنّى لراهب في صومعة منقطع إلى الله يسهم في مثل هذا العمل، ثم كيف تفرغ هذا الراهب لشؤون الناس ليعرف أوصافهم ومنهم سعيد بن جبير بالذات؟ وأين يا ترى كانت صومعته؟ هل هي في مكة؟ أم في المدينة؟ مع علمنا بأن نصارى الحجاز نزحوا عنها وسكنوا فتوح الشام منذ حكومة عمر بن الخطاب؛ فكيف أتِيحَ لراهب أن يسكن صومعة قرب مكة - وهي المكان الذي أجمعت الروايات على أن القبض على سعيد قدْ تَمَّ فيه؛ فكيف تتبعه هذا الراهب بهذه الدقة فحدّد لهم مكانه بمجرد أنْ وصوفه له!
وورد أيضاً في الرواية أنهم (دَنَوْا مِنْ سعيد فسلّموا عليه، فرفع رأسَه فأتمَّ بقية صلاته، ثم ردّ عليهم السلام)([٦٥٤]).
وهذا ينافي أبسط آداب الصلاة، وهو أمرٌ لا يمكن أن يكون سعيد ممن يجهل أمره؛ وهو أنّ رَدَّ السلام واجب على الفرد أنْ يردَّه بمثل لفظه؛ فكيف يُسَلَّمُ على سعيد ولا يجيب إلاّ بعد إتمام الصلاة! ولو سلّمنا بحدوث ذلك نكون عندها قد وصمنا سعيداً بالجهل بأبسط الأحكام الشرعية!
وتستمر الرواية لتقول: (أنه بعد أن انتهى إلى دير الراهب؛ قال الراهب: يا معشر الفرسان! أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم! فقال لهم: اصعدوا الدير فإن اللبوة والأسد يأوِيان حول الدير، فعجلوا الدخول قبل المساء! ففعلوا ذلك، وابى سعيد أن يدخل الدير؛ فقالوا: ما نراك إلاّ وأنت تريد الهرب منا! قال: لا ولكن لا أدخل
[٦٥٤] حِلية الأولياء لأبي نعيم: ج٤، ص٢٩١.