سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ١٧٠ - في مكة المكرمة
في مكة المكرمة
لقد عرفنا في الفصل الأول أن أغلب دراسة سعيد كانت في مكة المكرمة وفي حلقة ابن عباس خاصة حيث كانت تجمع العشرات ممن كانوا يفدون إلى مكة المكرمة لأخذ العلم عن (حَبر الأمة) وكان من هؤلاء الحجاج ابن يوسف الثقفي - ولم يكن حينئذ بالشخصية التي اشتهر بها في العصر الأموي، وإنما كان طالب علم حالُهُ حالَ سعيد بن جبير وأقرانه، ويَتَحَدّثُ عنه الرواة؛ أنه في تلك الفترة كان في حالٍ يُرثى لها من الفقر لأنه كانَ يَعتاشُ بأرغفة الخبز التي يأخذها أجراً لِتَحْفِيظِهِ الأطفالَ سُوَرَ القرآن القِصَار هكذا كان يَسِدُّ رَمَقَهُ أيامَ الدِراسةِ - ولعله كان مُحِبّاً للعلم في حينه؛ وسعيد يشير إلى ذلك وهو يستعرض أيام حياته فيقول: (لقد رأيته يُزاحِمُني عند ابن عباس)([٥٧١]).
إنّ سعيداً يُصَوِّرُ الحجاج في تلك الفترة تلميذاً مُنافساً يزاحمه في الظفر بأقرب مجلس من ابن عباس لِيتسنى له سماع حديث الشيخ بوضوح وليتمكن من سؤاله.
ولكننا لو نظرنا للصورة من زاوية أخرى ونحن ندرس حياة ابن عباس؛ كما لم نجد أنّه اهتم ابن عباس به مثلما اهتم بسعيد؛ ومن هذا الدليل وما قبله نستنتج أن الحجاج كان دون أدنى ريب شخصاً مغموراً أيام عرفه سعيد في حلقة ابن عباس العلمية.
[٥٧١] الطبقات الكبرى لابن سعد الزهري: ج٦، ص٢٦٧.