سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ١٧١ - في مكة المكرمة
ولكن مَسْرَى الحوادث - بعد ذلك - سَيُرينا أنّ الحجاج وإن ترك التعلم واتّجه للعمل ضمن دائرة المؤسسة الأموية فإنه بقي يستذكر ويذكر أيام تلك المرحلة من حياته جيّداً، ويتذكر معالم من عاصرهم وعايشهم بوضوح جعلته على إدراك تام لما سيكون عليه سعيد من بناء فكري، مستخلصاً حُكْمَهُ مِمّا كان يراه عند سعيد من ذكاء وقابلية ومواظبة وحرص على استيعاب العلم، وكان مصداقُ صحة استنتاجه محمولاً على تلك الأوليات في حكمه.
ولذا وجدنا الحجاج بعد أن انضمَّ إلى المؤسسة الأموية العسكرية وبعد أن ترأَسَ الحملة على الحجاز من قِبَلِ الأمويين لقمع حركة عبد الله بن الزبير حين أحجم قائدها عن ضرب الكعبة بالمنجنيق بعد أن احتمى ابن الزبير داخلها فتقدم الحجاج من رجل البريد من قبل عبد الملك بن مروانٍ يبدي استعداده لضرب الكعبة إنْ وُلِّيَ قائداً للحملة فرحب عبد الملك بهذه الجرأةِ على بيتِ اللهِ الحرام الذي قال تعالى في حرمة حِماه: {...وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا...}([٥٧٢])، وإذا بالحجاج يصير قائداً لحملةٍ انضم إليها جندياً مرتزقاً مغموراً لا يَجِدُ قُوتَ يومه.
(وبعد أن ضرب الكعبة بالمنجنيق للوصول إلى الإمارة لم ينس أنْ يرغم أهل مكة على تجديد البيعة لعبد الملك ابن مروان، ولم يغفل أنْ يأخذَها من سعيد بن جبير وهو في مكة)([٥٧٣]).
وسعيد حينئذٍ نجمٌ ساطِعٌ بين التابعين يعلو في سماء مكة المكرمة بمنزلته العلمية بعد وفاة ابن عباس عام ٦٧هـ في الطائف.
[٥٧٢] سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
[٥٧٣] تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري: ج٦، ص٤٩٠؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج٤، ص١٣٠.