سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٨٤ - اختلاف البحث القرآني من حيث الأسلوب بين القدماء والمتأخرين
نزول الآية ليتأكد من معاني مفرداتها عند نزولها لئلا يكون بعضها قد تغير معناه أو انتقل استعماله إلى معنى آخر نتيجة لتطور اللغة التي - هي بدورها تتطور كالكائن الحي، كما على الباحث في علم التفسير أن يدرس أسباب النزول منه ثم يعقد مقارنات متعددة لآراء المفسرين - هذا إذا ما تحقق من النص والسند وصحتهما... إلى غير هذه الأمور.
ومع كل ذلك نقول: هل على الباحث المتأخر عن زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أن يبحث ويكد ويكدح ويسهر الليالي الطوال لكي يصل إلى الرأي المقنع في تعليل الآية التي يعالجها ليستنبط معناها الحقيقي؟
والجواب على هذا التساؤل هو: كلاّ؛ فليس كل آيات القرآن متشابهات ولا كلها تتطلب البحث والتقصي العميق، فهناك إشارات توضح طريقة الدراسة للمُتخصص كما أنّ هناك كتباً أفردت لذلك، كما أن هناك توجيهات وردت في القرآن الكريم نفسه تشير إلى أن فهم المعنى اللفظي للآية المتشابهة يكفي القراء غير المتخصصين مع توصية لهم بالتدبّر لأنّه وشيجة متينة من وشائج العلم التي هي أيضاً من فروض العبادة كما أمر الله سبحانه وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}([٢١٨])، فهو إنما أنزل بلغتهم وقد قال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ}([٢١٩])، وأن المطلوب من القارئ أن يرفع من شأنه علمياً فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ}([٢٢٠])، ما دام (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)([٢٢١])، كما أمر رسول الله
[٢١٨] سورة محمد، الآية: ٢٤.
[٢١٩] سورة المؤمنون، الآية: ٦٨.
[٢٢٠] سورة ص، الآية: ٦٩.
[٢٢١] الكافي للشيخ الكليني ج١ ص٣٠ باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث رقم ١.