سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٦٠ - اعتماد النحويين على سعيد
الخمسين مليون سنة - لظهر لنا ما في هذه الرواية من وضع، ومن البديهي أنّ القرآن لم يحدد تاريخ الخليقة بالسنوات فلا تؤاخذ إذن إلاّ الرواية.
وهناك رواية أخرى لا تقل غرابة عن سابقتها نُسبت أيضاً إلى سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ...}([١٦٤])؛ من أن الماء كان على متن الريح حين خُلِقَ العرش([١٦٥]).
ومثل هذا التصور لعرش الله وتحديد خلقه يتناقض مع التفسير العلمي الذي يفسر القرآن بالقرآن، فلو ناسَبْنا بين قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}([١٦٦])، وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}([١٦٧])، يمكننا أن نستخلص المعنى السياقي من استواء الرحمن سبحانه وتعالى؛ إنما هيمنته وسيطرته وقدرته الجبارة التي لا يحدّها زمان أو مكان وأنّه سبحانه وتعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} - وهو علمه - وأنّه ليس شيئاً يجلس على الغمام حسب مفهوم الرواية المنسوبة إلى هذا العبد الصالح الذي لابد وأن يكون قد قرأ مثل هذه الآيات التي بها وبأمثالها يستعين المفسرون على حل بعض المتشابه من آيات الكتاب المبين.
فكيف يفوت على سعيد ذلك! وهو الذي استنبط فوائد لغوية لا يستغني عنها المختصون من علماء اللغة ممن تعمّقوا فيها ليتوصلوا إلى فهم بعض أسرار اللغة القرآنية التي قال تعالى فيها: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ
[١٦٤] سورة البقرة: ٢١٠.
[١٦٥] الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج١، ص١٧.
[١٦٦] سورة طه: ٥.
[١٦٧] سورة الشورى: ١١.