صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٥٦ - خطاب
يظهر فيه جسر جهنَّم لأعين الناس هذه، ففي ذلك العالم يتجلّى، ومَن طوى هذا الطريق يعبر من جسر جهنم، ومن لم يطوِ هذا الطريق يقع في جهنّم، يسقط من الجسر، فهو أعوج، والطريق المستقيم الذي ذكروا أوصافه أيضاً وسمعتموها هو أدقّ من الشعرة طريق ضيِّق ومظلم، ويريد نور الهداية: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) والله يهدينا.
نور العلم وظلمته
فلا تظنُّوا أنتم أيّها السادة السالكو سبيل الإسلام والعِلم المتلبّسون بلباس الإسلام والأنبياء والرُّوحانية أنّ الدرس مفيد لكم بلا قراءة باسم الربّ. فهو مضرّ حينا، وباعث على الغرور حينا، وقاذف للإنسان من الصراط المستقيم حينا، فهؤلاء الذين صنعوا الدِّين كانوا في الأكثر أهل العلم، وأولئك الذين دعوا لخلاف الواقع أكثرهم أهل العلم لأنّ علمهم لم يكن قراءة باسم الربّ، كان ذا انحراف منذ البدء. وهذا الطريق المنحرف كلّما امتدّ إلى الأمام ازداد انحرافا وبعداً عن الإنسانية. فكيف بامرئٍ يراه الناس الفيلسوف الأعظم والفقيه الأكرم، ومن يعلم كل شيء وهو كنز العلوم، لكن لأنّ قراءته لم تكن باسم الربّ ابتعد كثيراً عن الصراط المستقيم وعن الجميع، وكلّما عظم الكنز عظم الوِزر، وكلّما كبر المخزن كبر الوِزر وازدادت ظلماته. (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) [١]. العلم ظُلْمة حيناً لا نور، وذلك العلم الذي يشرع باسم الربِّ نور فيه هداية، وذاك العلم الذي يحصل ابتغاء التعلّم أحسنه أن صاحبه يريد أن يتعلّم، أو يقول بأنني اريد منصباً، أو أن أكون إمام جماعة، أو أن أكون خطيباً، أو أن أكون مقبولًا لدى العامّة محبوباً لدى الناس، كل هذه انحراف، وكلُّها دقيقة، كلّها صراط مستقيم بحسب ما وُصِف من أنّه أدق من الشَّعرة، دقيق غاية الدقة.
مسألة معرفة الإسلام والإنسان
فيكف إذا كان الإنسان كلّ عمره في الرياء، ولم يدرِ؟ أنفق عُمراً كلّ ما عمله فيه كان رياءً ولم يفهم أنه كان رياءً. إنّه لدقيق حتّى إن المرء لا يلتفت، وله موازين خاصَّة به، وأولئك العاملون لم يعينوا موازين، لنفهم بها من نحن، ونعرف قدر أنفسنا، في علم الأنبياء الذي هو علم صُنع الإنسان موازين.
ولا تتسنّى معرفة الإسلام خطفاً. فالإسلام لا يعرف بحربينِ، فما هو بحرب، ولا صلة للحرب به. مدرسة الإسلام- هذه التي يقال لها اليوم مدرسة- مقدّمة لمعرفة تلك المدرسة التي يضمّها الإسلام، وهذه المدرسة لا نعرفها أنا وأنت، مثلما لا نعرف الإنسان. فذلك الذي نعرفه هو هذا الموجود الطبيعيّ، وليس هذا هو الإنسان، من العلق يأتي، ويرتفع قليلًا قليلًا، حتّى يكون حيوانا، وحيوانيته هذه طويلة جدّا. مقام الحيوانية هذا طويل جدّا. والإنسان ممكن أن يتوقّف طوال عمره في هذه الحيوانية. فما لم تكن له قراءة باسم الربّ، ليس له من
[١] النور: ٤٠.