صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٤٣ - خطاب
كادت تصل فمه، فردَّها عنه إلى فم رفيقه الذي فعل ما فعل، حتى دارت التمرة بينهم جميعاً. هؤلاء هم الذين جهَّزهم الرسول لقتال قريش. أولئك بكلِّ ما لديهم من قدرة وثراء، وهؤلاء بكل ما هم عليه من فاقة وبأساء وإيمان وعطاء. الواقع غير ما قالوه لِشُبَّانِنا، وافتروه من أنّ الإسلام وكلّ الأديان هي أفيون. لا، ليس كذلك، فإنّ الإسلام وكلّ الأديان كانت محرّكة للناس، وأيقظتهم، إذ بعثتهم تعاليم الأنبياء، وقادتهم لمجابهة المتجبِّرين والوقوف في وجه المشركين. والقرآن يمكن القول فيه: إنه كتاب حرب يُعِدَّ الناس للقتال في الوقت الذي يزخر فيه بالتعاليم الإنسانية، لكنّ المسلمين (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [١] ودعوتهم: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [٢]. فالقرآن أجبر الناس، وأيقظهم، وواساهم، ولاطفهم، وثبَّتهم بأنَّ الملائكة معكم، وكان الملائكة معهم فعلًا، فكانت فئة قليلة تتحرَّك، فتهزم قدرة كبيرة بقدرة الإيمان تلك والتحرُّك الذي أوجده الرسول الأكرم والقرآن الكريم فيهم. وما يؤسف عليه أنّ هذا التضليل أثّر في فئة من شبّاننا، وهذه الدعاية التي بثوها كانت لتدمير هذه القدرة التي تستطيع الوقوف في وجه القوى كلها، ولنهبها بعد تدميرها.
ونتّجه إلى علماء الدين، لنرى هل هم وعّاظ سلاطين؟ هل أعدّهم الإنجليز لتنويم الناس، لينهبوا هم؟ مَن قام بهذه الثورات في هذه المئة سنة؟ كم ثورة في هذه المئة سنة؟ مَن كان رأسها؟ رأس ثورة التبغ كان المرحوم الميرزا الشيرازي، والثورة الدستورية أثارها علماء النجف وإيران. هذه الثورات العديدة التي شهدناها كلها كانت بقيادة العلماء. فعلماء إصفهان ثاروا، ورأسهم المرحوم الحاج نور الله- رحمه الله- وعلماء تبريز ثاروا، وعلماء مشهد ثاروا. وفي وقت من الأوقات ثار المرحوم السيد القُمّيّ، وجاء وحده إلى طهران- وأنا فيها- وأتى إلى حضرة عبد العظيم، فذهبنا لخدمته. لقد ثار، لكنهم حبسوه، ثمّ أبعدوه. لقد كانت سُلْطة. لقد كانت كل الثورات في هذه المئة سنة لهؤلاء تقريباً. ففي تبريز كان الخياباني وأحد الفضلاء. أجل، وكان ثوّار الغابة. أولئك كانوا لكنهم كانوا في أقليّة، وهم عمدتهم. فما يقولون من أنّ علماء الدين وعّاظ السلاطين يعملون للبلاط، ينيمون الناس، ليسلبهم البلاط قول غير صحيح. فأيّ مدينة تدخلون تجدون عالمها مخالفاً لأولئك خُفيةً إذا لم يستطع المخالفة علنا.
لا أقول: إنّ المعمّم مستقيم مئة بالمئة، لقد كان لدينا معمّمون أسوأ من رجال منظّمة الأمن، وأنا أعني علماء الدين، وأولئك يقولون: علماء الدين كلّهم هكذا. وأنا أقول: ليست المسألة هكذا. لا أريد أن أقول: كلّ من وضع عمامة على رأسه عالم دين، وكلّ من أعتمّ خالف. لا. كثير من المعمّمين وافقوا، ووافقوا كثيراً. لكنّ القول بأنّ علماء الدين جميعاً هكذا غير صحيح. فهذا أيضاً كان لهدم هذه القدرة. وإذا ما هدموا هذه القدرة صغروا الإسلام في أعين الناس من ناحية، مثلما صغروا علماء الدين في أعينهم من الناحية الأخرى، وسلبونا
[١] الفتح: ٢٩.
[٢] التوبة: ٣٦.