صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ١٨٦ - خطاب
كان يرسِلُهم إلى أرجاء البلاد المترامية الأطراف جدّاً الضامّة للحجاز ومصر وإيران والعراق وسورية وطرفاً من أوروبا، وكل هذه كانت تحت السيطرة، نجده حين يرسل أحداً حاكماً يوصيه كيف يعامل الناس ويسير فيهم، ونرى معاملة الناس لهؤلاء أيضا. وكل هذا مسطور في التاريخ. وحياة أمير المؤمنين يعرفها الجميع لا يستطيع إنسان ما أن يحياها، حتى إنهم كانوا يقولون له: إذا كانت هذه حياتكَ، فما هذه القوة التي بين يديك؟ وفي أحد المواقف يقول: إنّ الأشجار التي تنبت في الصحراء أصلب خشباً، وأقوى ناراً، لأنها تنال قليلًا من الماء. وليس كل من يأكل كثيراً، ويتناول الدسم، ويلتهم الحلوى يكون قويّاً، بل لعلّ كثيراً من هذه الأغذية وغير المعتادة منها خاصة تجلب للإنسان الضعف والكسل وأمثالهما. على كل حال حين ينظر الإنسان في حياة أمير المؤمنين- عليه السلام- يجد عجباً، فما لديه- على ما ينقلون- سوى جلدٍ يفرشه ليلًا له ولفاطمة- سلام الله عليهما- وينامان عليه، ويضع عليه علف الجمال نهاراً. وفي الغذاء لا يستطيع أحد أن يعيش على ما عاشه- عليه السلام- من شظف العيش، حتى إنّه كان يقول: إنكم لا تستطيعون، ولكن أعينوني بورع واجتهاد. هكذا كانت الحكومة والحاكم في خضوع للقانون، فرئيس الشعب الواسع الرئاسة القائد لجيش عظيم القدرة كان خاضعاً للقانون خضوعاً فريداً، حتى أنّ قاضِيَه الذي نصبه هو دعاه يوماً لمقاضاة يهوديّ ادّعى عليه أنه أخذ درعه، وحين حضر- على ما ينقلون- وناداه القاضي بقوله: يا أبا الحسن اعترض عليه، وقال له: يجب أن تسوّي بيني وبينه في الخطاب. فيجب أن يساوي القاضي بين المتخاصمين، فلا تكنني وتُسَمٍّيه، بل سَمِّني مثلما تسمِّيه، وقل: يا علي. وحينما قضى عليه القاضي سلَّم بقضائه راضياً، غير أنّ اليهوديّ أيقظَهُ خضوع الأمير للقضاء، فأسلم، هذا هو الإٍسلام. هذا هو وضع معاشرته للناس وطبيعة حياته وعدالته، وعطفه على فقرائهم معروف، وفي التاريخ أنّ اسراً كثيرة لم تكن تعرف من كان يأتيها بما تحتاج إليه. كان يمرّ من مكان فيه صِبيَة يبكون، فطرق عليهم الباب، وأطعمهم، ولاطفهم وآنسهم، ثم أسمعهم مثل رغاء البعير إضحاكاً لهم، قال: حين وردت كان هؤلاء الصبية يبكون، واحبُّ إذ أخرُج الآن أن أراهم يضحكون. هذا حاكم تمتدّ حكومته من الحجاز إلى مصر، وإلى إيران وإفريقية وغيرها كثير. حسناً، طبعاً لا أحد يستطيع أن يسير هذه السيرة، لا أحد يستطيع.
الاعتبار بعاقبة الأنظمة المستبدّة
لكن، لا ترى الحكومات نفسها منفصلة عن الناس. لا يكن الرؤساء هكذا، فيمضي كل منهم يبسط سلطانه أينما كان رئيساً، ويظهر رئاسته، ويرى الناس دونه، ويعاملهم بقوّة لا تلين. فهذه تكون أسباباً لأن ينفصل عنه الناس، فلا يدفعون الضرائب، ويفرّون من دفعها، فلهم دفتران: وسُئلتُ تكراراً أنّ لنا دفترين في عهد الطاغوت- طيب الآن هؤلاء الذين قالوا: لديهم دفتران- أحدهما كنا نظهره للمأمورين، وهو غير ذاك الخَفِيّ، فما نفعل الآن؟ قلنا: لا،