صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢١٥ - خطاب
ماله، وأشقوا أنفسهم.
فتوح الانطلاق وبلوغ الكمال
كان الأنبياء يديرون الممالك في الوقت الذي يديرون فيه الدنيا، ومثالها البارز قريب منّا، والتاريخ يري أنّهم المؤمنين فتحوا الدنيا في نصف قرن وما لهم تعلّق بالدنيا، فليس الفتح في الإسلام للتملّك، وليس أخذ البلدان في الإسلام للحكم، فلا مكان للجور فيه، وإنما الفتح لإيصال الناس إلى الكمال. ففتوح الإسلام غير فتوح الأنظمة الأخرى، ففتوح تلك الأنظمة للدنيا، وفتوح الأنبياء لله ابتغاء تذكير الناس بربّهم، فهم يريدون أن يجعلوا الناس الأسرى للمادّة والنفس والشيطان في نورهم ومدرستهم، ويُخرجوهم من حزب الشيطان إلى حزب الله (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجونهُمْ منَ النورِ إِلَى الظّلمَات) [١].
فهذان جانبان، هاتان جبهتان: جبهة الله، وجبهة الطاغوت. جبهة الطاغوت هم اللاجئون إلى الله المؤمنون به، والله- تبارك وتعالى- يخرجهم من جميع الظلمات، ويوصلهم إلى النور، وذلك النور هو نور الحقّ ذاته القائل عن نفسه: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) [٢] فهو يخرجهم من كل ظلمة، ويوصلهم إلى نوره، يوصلهم إليه- سبحانه- والطاغوت يخرج الناس من النور إلى الظلمات، وهي (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) [٣]. هذان طريقان: طريق الأنبياء، وطريق الطاغوت، وطريق الأنبياء طريق الله، والله وليّ، والله فاعل، وبيده يُرَبَّى الإنسان. وطريق الطاغوت طريق الشيطان الذي يُربّي الإنسان.
العلم والعروج اللامتناهي
انتبهوا أعزّائي لتدخلوا في جند الله، فالدرس وحده لا يدخل الإنسان في جند الله. العلم وحده- العلم القانوني خاصّة- لا يوصل الإنسان إلى مراتب الإنسانية. يجب أن يكون، لكن يجب أن يقترن باللجوء إلى الغيب. ادرسوا الغيب. بدأتم من الصفر، وآمل أن تمضوا إلى اللامتناهي، امضوا إلى حيث لا ترون غير الله، وترون كل شيء منه، وكل أحد مظهراً له. فإذا حظي الإنسان بمثل هذه التربية صار الناس إلهيين. وليس للإنسان الإلهي حرب وقهر، وما له نزاع ولا جدال، وكل العِراك والصراع الذي يقع هو من الإقبال على الطبيعة. والمعارك التي وقعت في الإسلام إنما وقعت لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. إنّ الحروب الإسلامية
[١] البقرة: ١٥٧.
[٢] النور: ٣٥.
[٣] النور: ٤٠.