صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٥٥ - خطاب
مفترق طريقين، فأولئك الطيّبون منّا هم الذين لم يسلكوا الطريق المعوج وإلّا فهم في الطريق لنرى ما يصيرون إليه.
وقال- تعالى- بعد تلك الآية: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) ولعلّ المعنى هو اقرأ مع ربِّك، وهناك: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) والحديث بهذا طويل طبعا.
وقوله- تعالى-: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) أي: من هذا الماء خلق الله مثل هذه القوّة التي هي ذلك الإنسان الذي هو جميع العالم، ويقولون فيه: (وَالْعَصْرِ^ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [١] والعصر هو الإنسان الكامل، وهو صاحب الزمان- سلام الله عليه- فهو عصارة جميع الموجودات، والقسم بعصارة جميع الموجودات هو قسم بالإنسان الكامل. وقوله- تبارك وتعالى-: (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) هذا الإنسان الذي هنا هو الإنسان برأس واذنين، وندعوه نحن إنسانا، والخطاب لنا نحن الذين في مفترق طريقين هما طريق الإنسانية الذي هو الصراط المستقيم، أحد طرفي الصراط المستقيم في الطبيعة، والآخر عند الألوهيّة، فهو طريق يمتدّ من العلق، فبعضه طبيعي، وذلك المهمّ منه إراديّ، فمبدؤه من الطبيعة، ومنتهاه عند مقام الألوهية. والإنسان يبدأ من الطبيعة، ويمضي إلى حيث لا يصل وهمي ووهمك.
اليمين واليسار طريق جهنم
لكم أن تختاروا أحد الطريقين: صراط الإنسانية المستقيم، أو الانحراف يميناً أو شمالًا، فإلى أيِّ الجهتين ينحرف الإنسان يبتعد عن الإنسانية، وكلّما يتقدم في إحداهما يزداد بعداً عن إنسانيته، فمن ينحرف عن الصراط المستقيم كلّما يتقدَّم في انحراف يبتعد أكثر عن طريق الإنسانية الذي جاء به الأنبياء يدعون إليه مأمورين أن يُعَرِّفوه للناس. والله- تبارك وتعالى- تفضَّل في سورة الحمد بقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ^ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [٢] أولئك الذين تفضّلت عليهم بنعمة الهداية، ورحمتهم بالاستقامة على هذا الصراط. (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ): المغضوب عليهم: طائفة منحرفة، والضالّين: أيضاً طائفة منحرفة. وكلّما ساروا إلى الأمام ازدادوا بُعدا.
كلّما درستم، ولم يكن درسكم (باسم ربِّك) ابتعدتم عن الصراط المستقيم، وكلّما درستم أكثر بغير هذا الاسم ازددتم بعداً، ولو صرتم أعلم من في الأرض وما كان علمكم (باسم الرَّب) فأنتم أبعد مَن عليها عن الله- تبارك وتعالى- والأبعد عن الصراط المستقيم. والصراط المستقيم رأسُه جسر جهنّم، وطرفه الآخر الطبيعة، أو طرفه الجنّة، وآخر مراتب الجنَّة لقاء الله حيث لا سبيل لأحد هناك غير الإنسان، السبيل للإنسان فقط. وكلّنا الآن واقعون في جسر جهنّم. الطبيعة متن جهنّم. في ذلك العالم الذي يظهر فيه ستكون الطبيعة بمثابة جهنم فنحن الآن نتحرَّك في متن جهنّم فإذا طوينا هذا الطريق في ذلك اليوم الذي
[١] العصر، آية ١ و ٢.
[٢] الفاتحة: ٦- ٧.