فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٧ - التراث الثقافي في الفقه الإسلامي الاستاذ الشيخ محسن الأراكي
الأماكن التي يخصصها الناس للدّعاء أو قراءة القرآن أو التعليم، بحيث يختص لدى العرف بذلك; فإنّ الاختصاص العرفي للمكان بالعمل المندوب المقرّب إلى الله تعالى يجعل المكان مما يصدق عليه أنّه معلم من معالم العبادة والقربة إلى الله، فيصدق عليه عنوان الشعيرة الإلهية.
الثاني ـ آيات الموعظة والعبرة:
وهي الأثر التاريخي الذي يشتمل على صفة تذكّر بالله سبحانه أو بأمره ونهيه أو ما يتعلّق بذلك كآثار الماضين التي تذكّر الإنسان بفناء الحياة الدنيا ونعيمها وزوال ما فيها من الثروة والجاه والقدرة والسلطة، وأنّ الملك والبقاء لله وحده، وأنّ بيده الخير وله الأمر وإليه تصير الأشياء وترجع الاُمور.
وقد وردت في الكتاب العزيز آيات كثيرة تدعو الناس إلى التدبّر في هذه الآيات والنظر فيها والاعتبار بها، فقد قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الاَْرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } (٦)، وقال تعالى: {فَكَأَيِّن مِن قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُّعَطَّلَة وَقَصْر مَّشِيد * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَْبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور } (٧).
نجد في هذه الآيات وأمثالها ندباً مؤكّداً إلى النظر في آثار الماضين والتدبّر فيها والاعتبار بها، ونجد في الآيتين الأخيرتين بالذات تصريحاً بالسبب الذي ندب الشرع من أجله إلى النظر في آثار الماضين، وهو أن تكون للناظرين إليها قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، وأنّ العمى ليس عمى الأبصار بل هو عمى القلوب التي في الصدور.
(٦) الروم: ٩ .
(٧) الحج: ٤٥ ـ ٤٦ .