فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٠٦ - التراث الثقافي في الفقه الإسلامي الاستاذ الشيخ محسن الأراكي
٤ ـ العمران والاحياء:
يستفاد من مجموع المصادر الدينية أنّ عمران الأرض وإحياءها وإحياء ما فيها من الثروات والأموال فرض كفاية على الناس أجمعين وفرض عين على الدولة، ومندوب إليه في الشرع بالنسبة لأفراد الناس بأعيانهم. ومهما يكن من أمر فإنّ وجوبهما على الناس وجوباً كفائياً ووجوبهما على الدولة وجوباً عينيّاً، يعني وجوب صيانة الآثار التاريخية بما يمنع من خرابها، ووجوب إحيائها إن أصابها الخراب بأيّ سبب من الأسباب.
وممّا يدلّ على ما ذكرناه من الوجوب الكفائي للعمارة والإحياء قوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الاَْرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها } (٥٠)، وعلى وجوبها مطلقاً اجمالاً ووجوبها العيني على الدولة قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الاَْرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } (٥١)، وصفت الآية الحكام المسرفين بوصفين الإفساد وعدم الإصلاح، فهي تدلّ على حرمة الإفساد ووجوب الإصلاح مطلقاً على الاجمال، وتدلّ على أنّ الحاكم بوجه خاص يجب أن يكون مصلحاً وأن لا يكون مفسداً، والاصلاح لا يكون إلا بعمارة الأرض وما فيها ممّا يصلح للعمارة والإحياء.
وأمّا ما ورد في الشرع من الندب الى العمارة والإحياء الدالّ على كونه مندوباً إليه بالنسبة لأفراد الناس بأعيانهم فهو كثير من ذلك ما رواه السيد المرتضى عن علي(عليه السلام) قال: «وأمّا وجه العمارة فقوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الاَْرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها } (٥٢)فأعلمنا سبحانه أنّه قد أمرهم بالعمارة ... »(٥٣).
وقد روى يزيد بن هارون عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة، يُدعون: المباركين»(٥٤).
(٥٠) هود: ٦١.
(٥١) الشعراء: ١٥٠ ـ ١٥٢ .
(٥٢) هود: ٦١ .
(٥٣) الوسائل ١٩: ٣٥، ب ٣ من المزارعة، ح ١٠ .
(٥٤) المصدر السابق : ٣٤، ح ٧ .