فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٨ - التراث الثقافي في الفقه الإسلامي الاستاذ الشيخ محسن الأراكي
فإن كان لآثار الماضين هذا التأثير البالغ في إحياء القلوب وتوعيتها وعرفنا أنّ توعية القلب وتجنيب النفس غفلتها التي تؤدّي بها إلى الهلاك من أهم ما ندب إليه الشرع بل أوجبه وأكّد عليه، عرفنا ما لهذه الآثار من قيمة في المنظار الشرعي، وما للحفاظ عليها لهذا الغرض من أهميّة مؤكّدة في شريعة الله سبحانه وتعالى.
وقد روى شاذان بن جبرئيل القمي في كتاب الفضائل عن عمّار الساباطي، قال: قدم أمير المؤمنين(عليه السلام) المدائن فنزل أيوان كسرى، وكان معه دلف بن بحير، فلمّا صلّى قام وقال لدلف: «قم معي» وكان معه جماعة من أهل ساباط، فما زال يطوف منازل كسرى، ويقول لدلف: «كان لكسرى في هذا المكان كذا وكذ» ويقول دلف: هو والله كذلك حتى طاف المواضع بجميع من كان عنده، ودلف يقول: يا سيدي ومولاي، كأنّك وضعت هذه الأشياء في هذه المساكن(٨)، الخبر.
وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: «الايوان ـ أي ايوان كسرى ـ عن بغداد على مرحلة ـ إلى أن قال ـ ولمّا بنى المنصور بغداد، أحبّ أن ينقضه ويبني بنقضه فاستشار خالد بن برمك فنهاه، وقال: هو آية الإسلام، ومن رآه علم أنّ من هذا بناه لا يزيل أمره إلا نبيّ، وهو مصلّى علي بن أبي طالب(عليه السلام) »(٩).
الثالث ـ المصلحة العامة:
قد يعتبر الأثر التاريخي ـ كما أشرنا سابقاً ـ عنواناً لهويّة شعب ما أو تذكاراً يعبّر عن أمجاده، فيكون في الحفاظ على هذا الأثر مصلحة معنويّة عامة، وقد يكون الأثر التاريخي مشتملاً على صفة أو صفات معيّنة يتمتع برؤيتها السائحون، فتكون في الحفاظ عليها ورعايتها مصلحة اقتصادية عامة، وقد وردت نصوص كثيرة تدلّ على عدم جواز التفريط بالمصالح العامة وضرورة القيام بكلّ ما من شأنه الحفاظ على المصالح العامة ورعايتها.
(٨) مستدرك الوسائل ٣: ٤٨٤ ، ب ٥٤ من احكام المساجد، ح ٢٢ .
(٩) المصدر السابق: ٤٤٨ ـ ٤٤٩ .