فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢١٩
قال محمّد بن مسلم : خرجت إلى المدينة وأنا وجع ثقيل فقيل له : محمّد بن مسلم وجع ، فأرسل إليّ أبو جعفر (عليه السلام) بشراب مع الغلام مغطّى بمنديل ، فناولنيه الغلام وقال لي : اشربه فانّه قد أمرني أن لا أرجع حتى تشربه ، فتناولت ، فإذا رائحة المسك منه ، وإذا شراب طيّب الطعم بارد ، فلمّا شربته قال لي الغلام : يقول لك إذا شربت فتعال ، ففكّرت فيما قال لي ولا أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي ، فلمّا استقرّ الشراب في جوفي ، كأنّما اُنشطت من عقال ، فأتيت بابه فاستأذنت عليه ، فصوّت بي : نصح الجسم ، ادخل ، فدخلت وأنا باكٍ ، فسلّمت وقبّلت يده ورأسه ، فقال لي : وما يبكيك يا محمّد ؟ فقلت : جعلت فداك أبكي علي اغترابي وبُعد الشقّة وقلّة المقدرة على المقام عندك والنظر إليك ، فقال لي : أمّا قلّة المقدرة فكذلك جعل اللّه أولياءنا وأهل مودّتنا وجعل البلاء إليهم سريعا ، وأمّا ما ذكرت من الغربة فلك بأبي عبد اللّه (عليه السلام) اُسوة بارض ناءٍ عنّا بالفرات صلّى اللّه عليه . أمّا ما ذكرت من بعد الشقة فإنّ المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق منكوس حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة اللّه ، وأمّا ما ذكرت من حبّك قربنا والنظر الينا وأنّك لا تقدر على ذلك فاللّه يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه ثمّ قال لي : كيف وجدت الشراب ؟ فقلت : أشهد أنكم أهل بيت الرحمة وأنك وصي الأوصياء ، لقد أتاني الغلام بما بعثت وما أقدر على أن أستقل على قدمي ، ولقد كنت آيسا من نفسي ، فناولني الشراب فشربته ، فما وجدت مثل ريحه ولا أطيب من ذوقه ولا طعمه ، ولا أبرد منه ، فلما شربته قال لي الغلام : إنّه أمرني أن أقول لك إذا شربته فأقبل إليّ ، وقد علمت شدّة ما بي ، فقلت : لأذهبن إليه ولو ذهبت نفسي : فأقبلت إليك وكأني اُنشطت من عقال . فالحمد للّه الذي جعلكم رحمة لشيعتكم . فقال : يا محمّد إنّ الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي وهو أفضل ما استشفي فلا تعدلنّ به ، فإنّا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى فيه كل خير . . . قال محمّد بن مسلم : فسقاني منه مرّتين ، فما أعلم أني وجدت شيئا