فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٨ - الثقافة الفقهية العامّة في حلقات / ٣ / التحرير
معرفتها على جهد علمي وخبرة خاصّة تحصل بالتعلّم والتأمل في الأدلّة الشرعية طبق قواعد علمية محدّدة ، فإن انتهى المجتهد إلى نتيجة قطعيّة أفتى بحسب ما تقتضيه الأدلّة من الحرمة أو الوجوب أو الكراهة أو الاستحباب أو الإباحة وغيرها من الأحكام الوضعية . وإن لم يجزم بالحكم احتاط بالافتاء ، فيقول : الأحوط لزوما الاتيان بالفعل أو الترك ، أو الأحوط استحبابا الفعل أو الترك ، ونحو ذلك حرصا على المكلّف لكي لا يبقى متحيّرا ، بل لابدّ من تعيين الوظيفة والموقف العملي له .
٤ ـ تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد :
إنّ الأحكام مشرَّعة من قِبل اللّه سبحانه ، ونحن نعتقد بأنّه حكيم لا يفعل عبثا وعالم بما يصلح العباد وما يفسدهم وغنيّ فلا يفتقر إلى طاعة العباد لسدّ نقص فيه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، إذا فهذه الأحكام إنّما شرّعت لمصلحة البشرية ، وبعض الأحكام بيّنت ملاكاتها ووجوه الحكمة فيها من ناحية الشارع نفسه كقوله تعالى : {إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } (١)، وبعضها اتّضحت بسبب تطوّر حركة العلم كالمنافع الصحية للصوم ، وبعضها مبتنية على ملاكات خافية علينا ؛ لقصورنا ومحدودية إدراكنا . وتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد لا تختصّ بما يسمّى بالأحكام الواقعية (٢)، بل يشمل الأحكام الظاهرية كذلك ؛ لأنّ الحكم الظاهري إنّما شرِّع لحفظ الواقع عند عدم العلم به .
٥ ـ شمولية الأحكام لمناحي الحياة :
لمّا كان الغرض من الشريعة هو إيصال الإنسان إلى الكمال وسدّ حاجته ، وبالنظر لتنوّع حاجات الانسان واختلاف حالاته وتباين ممارساته اقتضى ذلك أن يحدَّد للانسان في شأن من شؤونه موقفا ، فجاءت الشريعة شاملة ، وهذه الشمولية نلاحظها من خلال تنوّع هذه الأحكام ، والتقسيم التقليدي المعروف
(١) العنكبوت :٤٥.
(٢)الحكم الواقعي : هو الحكم الذي لم يؤخذ في موضوعه الشك ، كوجوب صلاة الفجر . والحكم الظاهري : هو الحكم الذي اُخذ في موضوعه الشك كالحكم بطهارة الماء الذي نشك بنجاسته .