فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٣ - الثقافة الفقهية العامّة في حلقات / ٣ / التحرير
مع علاقات الانسان بأخيه الانسان ، فربما يستثقل أحد من بعض الأحكام لأنّها تتنافى مع رغباته الشخصية ، بالرغم من كونها جعلت لحفظ مصالح آخرين والمصلحة العامة ، والتي هي أيضا أمر تقتضيه الفطرة ، فمثلاً الحكم بوجوب إرجاع العين المغصوبة إلى صاحبها قد لا يعجب الغاصب ، فعدم تجاوب الغاصب مع هذا الحكم لا يعني انّه يعارض الفطرة .
٤ً ـ انّ التناسب بين الأحكام الشرعية والفطرة إنّما جعل أصلاً أوليا وقاعدة عامّة ، أي انّ الخطّ العام والاتجاه العام للشريعة هو هذا . بمعنى أنّ الأحكام ترتكز على تلك القاعدة ولو عند التأمل والتحليل ، فقد تبدو بعض الأحكام لأوّل وهلة انها متنافية مع الفطرة ، ولكن عند التأمل قد يدرك الانسان مدى انسجامها مع الفطرة ، فأحيانا نغفل عن إدراك بعض الارتكازات العقلائية إلاّ انّه بمجرّد التأمل والالتفات قد يتضح لنا الحال .
٥ً ـ انّ اعتماد الفطرة كقاعدة للمشرّع يستلزم أن يتحرّى المشرّع أقرب المواقف إلى الفطرة فيضعها ، فبعض الأحكام قد يتوهم معارضتها مع الفطرة ، ولكن عند مقارنتها بالحلول الاُخرى المحتملة في المقام يتجلّى لنا أقربية الأحكام الشرعية إلى الفطرة بحيث لا يوجد حلّ آخر أقرب منها ، طبعا هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار المصلحة المنظورة في التشريع ، وليس الملحوظ دائما الحالة الذاتية بل لابدّ من أخذ الواقع الموضوعي في حساب الشريعة .
٧ ـ بقاء الأحكام وديمومتها :
انّ التشريع من أهم الحاجات البشرية ، فإنّ حاجة الانسان إليه ليست بأقل من حاجته إلى الطعام واللباس ، فانّه يتحمّل الجوع والعري ، لكنه لا تمرّ عليه لحظة دون أن يحدّد موقفا تجاه ما حوله ، وهذا معناه شدّة الحاجة إلى الشريعة ، لذا فقد جعل اللّه هذه الشريعة مستمرّة ولم يرض بتعطيلها يوما واحدا ، وقد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لمعالجة ما يستجدّ من الوقائع