فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٣ - الآفاق التشريعية في القرآن الكريم / ٤ / الشيخ خالد الغفوري
الانصراف إلاّ بإذنه تطرّقت الآية إلى تهديد كل من يخالف أمر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) . وهذا ما يؤكّد لزوم الاتباع لرسول اللّه وحرمة مخالفته . وليست السنّة الشريفة إلاّ مجموعة أوامر ونواهٍ ، نعم ما لم يكن فيه إلزام كالترخيصيات فمخالفتها ليست مخالفة للأمر ؛ إذ انّ الطلب الندبي لا يقتضي الإلزام ، والمخالفة والعصيان لا يصدقان حقيقة إلاّ حينما يكون إلزام في البين .
٨ ـ قوله تعالى : {يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم . . . } (٨).
لقد ورد في الآية ثلاثة مراكز للطاعة المأمور بها المؤمنون :
المركز الأوّل: اللّه سبحانه وتعالى ، وطاعته تتحقق بإطاعة ما يوحيه إلى الناس عن طريق رسوله .
المركز الثاني : الرسول ، وطاعته لها حيثيتان :
الاُولى : كونه رسول فيشرح للناس ويبيّن لهم ما يريده اللّه منهم .
الثانية : كونه وليّا وحاكما على المجتمع ، فيأمر وينهى في الوقائع وفي الفصل في الخصومات وغيرها .
وهذا هو الذي يبرّر تكرار لفظ الطاعة في الآية ؛ فإنّ طاعة الرسول وإن كانت تستمدّ مشروعيتها من طاعة اللّه إلاّ إنّها تختلف عنها ، وذلك بسبب كونها بلحاظ التطبيق والممارسة والتجسيد العملي المتحرّك والمتغيّر عبر الظروف والأزمنة ، وأيضا بلحاظ البيان والتفريع والتشريعات التفصيلية لا بنحو الاجتهاد والرأي الذي يصيب ويخطئ ، بل بمستوى الواقع الشرعي الذي يريده اللّه سبحانه وتعالى ؛ ولذا اُفردت طاعة الرسول عن طاعة اللّه وعطفت عليها ، فهنا طاعتان يشتركان في درجة الاعتبار والحجّية والالزام والأثر ، ويفترقان في المجال .
(٨) النساء :٥٩.