غنائم الأيّام في مسائل الحلال والحرام - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٨ - مقدّمة المؤلَّف
البال. ومتى عانقني بوجه الالتفات ، فعضّني بضرس النّائبات. وحيثما ضيّفني ببسط موائد العطيّات ، أطعمني بتشعّبات الأمراض [١] ، وسقاني بمشارب الحسرات ، فربّ فجيعة تدهش منها مشاعر الخواطر ، وربّ نزيلة ينهش قذى سمومها أناسيّ النّواظر [٢].
وكم من ضَنَكٍ في العيش وضيق في المعيشة؟ وكم من بائقة لا ترضى بصُحبتها العيشة؟
ومع ذلك فقد كنتُ أختلس من آناتِ غفلاته فُرَصاً ، مع ما كنت أتجرّع من مشارب الإحَنِ وكؤوس المحنِ غُصصاً [٣].
وكنتُ شَرعتُ في عنفوان الشّباب في استنباط المسائل من مأخذها ، وأخذت في تأليف كتاب يحتوي على مهمّات مطالبها ، وسمّيته كتاب مناهج الأحكام في مسائل الحلال والحرام ، وقصدت فيه بيان الأدلّة والأقوال ، وذِكر ما تبتني عليه الأحكام على التّفصيل حسب ما اقتضاه الحال.
وعاقني عن ذلك بَوائق الزّمان وعَوائق الدّهر الخوّان ، فربّما سوّلت لي الأيّام بمخائل تبدّل الحال بأرفه من الحال ، وربّما سوفتني النّفس بتأميل حصول الفراغ والوقت الأمن من القلق والزّلزال.
فاستصحبتني تلك الشّيمة إلى الحين ، وقد جاوزت الان من الأربعين ، ولم نكتب منه بالظنّ والتّخمين ، إلّا مثل العشرة بالنّسبة إلى الستّين ، على تفرّق في الأبواب ، حسب ما ساعدتني الأسباب ، واتّفق لي سهولة جمع المسائل في ذلك الباب.
ثمّ قد رأيت ولّى الشّباب ، وألمّ المشيب ، وولّى وجه المحبوب ، وتدلّت شدائد قهر
[١] في «ز» : ببشعات الأعراض ، وفي «م» : بشبعات الأمراض ، ونسخة في «ح» : بتشبّعات.
[٢] أناسي جمع إنسان العين ، وهو حدقتها المصباح المنير : ٢٦.
[٣] في «ز» ، «ح» : قصصاً.