الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٢٦ - الثاني الاستدلال للقول بالوجوب التخييري و رده
منتف في هذه الصلاة حال الغيبة و إنما يبقى الجواز بالمعنى الأعم، و المراد منه استحبابها بمعنى كونها أفضل الفردين الواجبين تخييرا اعنى الجمعة و الظهر لا انه ينوي الاستحباب لان ذلك منتف عنها على كل حال بإجماع المسلمين بل إما تجتمع شرائطها فتجب أو تنتفي فتسقط، و قد عرفت أيضا ان هذا الحكم و هو وجوبها تخييرا و ان كان أفضل الفردين لا دليل عليه إلا ما ادعوه من الإجماع و لم يدعه منهم صريحا سوى ما ظهر من عبارة التذكرة و دونها في الدلالة عبارة الشهيد في الذكرى، فإنه قال فيها: إذا عرفت ذلك فقد قال الفاضلان يسقط وجوب الجمعة حال الغيبة و لا يسقط الاستحباب، و ظاهرهما انه لو اتى بها كانت واجبة مجزية عن الظهر. الى قوله و نقل الفاضل فيه الإجماع- و قد تقدمت العبارة المذكورة كملا- ثم قال: و في هذه العبارة مع ما اشتملت عليه من المبالغة إشعار بعدم ظهور الإجماع عنده و من ثم نسبه الى الفاضل، و قد عرفت مما حكيناه من عبارات المتقدمين ما يقدح في الإجماع و عمل الطائفة معا، و لعله أشار بقوله: «و ربما قيل بالوجوب المضيق» الى ذلك. و الظاهر ان عمل الطائفة لا يتم إلا في المتأخرين منهم أو من بعضهم لا من الطائفة مطلقا لما سمعت من كلام المتقدمين الذين هم عمدة فقهاء الطائفة. و ما اقتصرت على من ذكرت لخصوصية قولهم في ذلك بل لعدم وقوفي على مصنفاتهم و لا على باقي مصنفات من ذكرت، و في وجود ما نقلته في ما حضرني من ذلك دليل بين على أن ذلك من الأحكام المقررة عندهم المفروغ عنها لأن أحدا منهم لم ينقل في ذلك خلافا فكيف يتم للمتأخرين الحكم بخلافه؟ و لا يخفى عليك ان مجرد عمل الطائفة على هذا الوجه لا يكون حجة و لا قريبا منها خصوصا مع دلالة الأدلة القاطعة من الكتاب و السنة على خلاف ذلك فكيف مع انحصار القول في قليل منهم؟ و القدح في ذلك بمعلومية نسب المخالف مشترك الإلزام ان لم يكن في جانب المخالف أرجح لما عرفت من ان القائل بالوجوب العيني أكثر من القائل بالتخييري مع اشتراكهما في الوصف [١].
[١] لا يخفى ان عمل الطائفة في مثل هذه المسألة يكشف بنحو القطع عن مطابقته للحكم الشرعي، إذ لازم المخالفة بينهما هو خفاء الحكم على الطائفة و هو- في مثل هذه المسألة التي تعم بها البلوى و في هذه الفريضة المعظمة التي إقامتها من أعظم شعائر الدين مع كثرة ما ورد فيها من الآية و الأخبار الواضحة الدلالة- كما ادعوا- و التأكيدات و التشديدات- مستحيل عادة كما يظهر ذلك جليا بالرجوع إلى التعليقة ٥ ص ٣٨٦، و قد تقدم عن الشهيد (قدس سره) ص ٤١٥ ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار. و صرح الشهيد الثاني (قدس سره) بذلك في رسالته ص ٦٠ حيث قال- في الجواب عن استئناس بعض الأصحاب للوجوب التخييري بظاهر روايتي زرارة و عبد الملك- و الذي يظهر لي ان السر في تهاون الجماعة بصلاة الجمعة ما عهد من قاعدة مذهبهم لأنهم لا يقتدون بالمخالف و لا بالفاسق و الجمعة انما تقع في الأغلب من أئمة المخالفين و نوابهم. الى ان قال فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه، و لما كانت الجمعة من أعظم فرائض الله تعالى و أجلها ما رضى الامام (ع) لهم بتركها مطلقا فلذلك حثهم على فعلها حيث يتمكنون منها. و على هذا الوجه استمر حالها مع أصحابنا الى هذا الزمان فأهمل لذلك الوجوب العيني و أثبت التخييري لوجه نرجو من الله تعالى ان يعذرهم فيه و آل الحال منه الى تركها رأسا في أكثر الأوقات و معظم الأصقاع مع إمكان إقامتها على وجهها. و ما كان حق هذه الفريضة المعظم ان يبلغ بها هذا المقدار من التهاون بمجرد هذا العذر الذي يمكن رفعه في كثير من بلاد الايمان سيما هذا الزمان. انتهى. فهو (قدس سره) يصرح بأن السيرة مستمرة من زمن الأئمة (ع) الى زمانه على ترك الجمعة، و قد تقدم في كلام الفقيه السبزواري (قدس سره) ص ٣٩١ ما هو صريح في ذلك ايضا، فاستمرار السيرة العملية على ترك الجمعة- من زمن الأئمة «ع» الى زماننا هذا في جميع بلاد الشيعة إلا في بعض الأزمنة و الأمكنة على وجه الندور- غير قابل للإنكار. و لا يخفى ان ما صرح به الشهيد الثاني «(قدس سره)» من استمرار السيرة على الترك يناقض ما أفاده في كلامه المنقول في المتن من انحصار القائل بالوجوب التخييري في قليل من المتأخرين إلا ان يلتزم بما لا يمكن ان يلتزم به أحد من الإمامية و هو ان معظم فقهاء الإمامية كانوا يرون الوجوب التعييني و أطبقوا على مخالفة فتاويهم و استمروا على ترك هذه الفريضة المعظمة من دون مسوغ. و بذلك تعرف ما في كلام المحدث الكاشاني المتقدم ص ٣٩١ و ٣٩٢ من نسبة القول بالوجوب التخييري إلى طائفة من متأخري الأصحاب، و قد نسبه المصنف «(قدس سره)» الى المشهور ص ٤٠٨ و ٤٢٠ و ٤٢١ و لكنه سينفى الشهرة عنه في ما سيأتي من كلامه بعد الوجه الخامس.