شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٥ - خطبة لامير المؤمنين
أيّها النّاس إنّه لا مال [هو] أعود من العقل، و لا فقر [هو] أشدّ من الجهل و لا واعظ [هو] أبلغ من النصح، و لا عقل كالتدبّر، و لا عبادة كالتفكّر، و لا مظاهرة
(أيها الناس أنه لا مال أعود من العقل)
(١) أعود من العائدة و هى النعمة و المقصود أن العقل أنفع الاموال لان نفعه فى الدنيا و الآخرة و به كمال الانسان فيهما بخلاف غيره من الاموال و فى عد العقل من افراد المال تجوز و استعارة و الوجه الانتفاع و فيه ترغيب فى اكتساب العقل بالعلوم و الآداب
(و لا فقر أشد من الجهل)
(٢) لان الفقر عدم النافع و أشد النافع هو العلم و لا فقر أشد من الجهل لاشتراك الفقر و الجهل فى العجز عن تحصيل المرام و عجز الثانى أشد لانه فى الدنيا و العقبى و عجز الاول فى الدنيا فقط و فى التنفير عن الجهل بجعله من أشد افراد الفقر تنفير عن الفقر أيضا و هذا ينافى ما ورد من مدح الفقر و الفقراء و الترغيب فيه و يمكن دفعه أولا بأن المراد بالفقر هنا ما يكسر الظهر و يدفع الصبر و هو الّذي وقع الاستعاذة منه فى بعض الروايات، و ثانيا بأن المراد به الفقر الظاهرى مع الفقر الباطنى و المتصف به من جمع فيه فقر الدنيا و عذاب الآخرة، و ثالثا بأن المراد به الفقر المعروف المتنفر عند الناس و هذا القدر كاف فى تشبيه الجهل به و التنفير عنه.
(و لا واعظ أبلغ من النصح)
(٣) الواعظ يدعو الى الخيرات و يمنع عن المنهيات و نصح القرآن و السنة أبلغ منه فهو أولى بالاستماع لان النداء الربانى أولى بالاتباع من النداء الانسانى و الى ذلك أشار أمير المؤمنين (ع) فى بعض خطبه بقوله «كيف يراعى النبأة من أصمته الصيحة» أى كيف يحفظ الصوت الخفى من أصمته الصيحة الالهية و النبوية، استعار (ع) النبأة لدعائه (ع) لهم و ندائه الى سبيل الحق و النصيحة لخطاب اللّه و رسوله و هى كناية عن ضعف دعائه بالنسبة الى قوة دعاء اللّه تعالى و تقرير ذلك أن الصوت الخفى لا يسمع عند القوى لاشتغال الحواس به و كان كلامه (ع) أضعف فى جذب الخلق الى الحق من كلام اللّه و كلام رسوله فأجراه مجرى الصوت القوى و أجرى كلامه مجرى الصوت الخفى، و اسناد الاصمام الى الصيحة تشريح له للاستعارة اذ من شأن الصيحة العظيمة الاصمام اذا قرعت السمع.
(و لا عقل كالتدبر)
(٤) فى العواقب ليسلم عن المكاره و النوائب و العقل قوة بها ادراك المعقولات و المحسوسات بتوسط الآلات و قد يطلق على الادراك أيضا، و التدبر النظر فى عاقبة الامر و هو دليل على العقل حتى أن من لا تدبر له لا عقل له فلذلك فضله عليه و رغب فيه
(و لا عبادة كالتفكر)
(٥) فى الامور من حيث الصدور و عدمه اذ بالتفكر يشاهد صور المعقولات و يبصر وجوه العبادات فهو مع كونه عبادة أصل للبواقى و الاصل أفضل من الفرع.